الهجرة البيئية

الهجرة البيئية

الملايين يجبرون على الهجرة على مر العصور

الهجرة البيئية .. دراما متواصلة وحضارات غائبة!

عنود القبندي

الفقر أحد أسباب الهجرة البيئيةوهناك خوف كبير من تفاقمها وتناميها، حيث حذر خبراء بيئيون من أن الأضرار البيئية الناجمة عن التغيرات المناخية مثل التصحر والفيضانات والتي قد تجبر الملايين من الناس على هجر منازلهم في العقود القليلة القادمة، حيث يتوقع الخبراء أن يصبح نحو 200 مليون شخص بحلول عام 2050 بلا مسكن نتيجة مشاكل بيئية وهو عدد يعادل تقريبا ثلثي سكان الولايات المتحدة اليوم. فقد وصل عدد المهاجرين بسبب الظروف البيئية ما بين 25 مليون إلى 27 مليون شخص، وعلى عكس اللاجئين السياسيين الذين يفرون من بلادهم فإن العديد سيبحثون عن مسكن جديد داخل بلدانهم. فهناك أهمية كبيرة إلى عملية رصد أعداد الأشخاص الذين يضطرون إلى هجر منازلهم بسبب التدهور المتكرر لإنتاجيات الأراضي الزراعية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في العالم حتى يتسنى للحكومات ومنظمات الإغاثة تقديم المساعدة، فمن المتوقع أن تشمل الهجرة لدوافع بيئية أناسا أكثر فقرا أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين من مناطق الأوضاع البيئية فيها أكثر قسوة، ففي السابق كان الكثيرون من مثل هؤلاء الأشخاص يعتبرون مهاجرين اقتصاديين، لكن المهاجرين الاقتصاديين يكونون في الغالب شبان يبحثون عن العمل، وأظهرت دراسة بيئية شملت 22 دولة نامية أجرتها بعض المعاهد الأوروبية حول أسباب الهجرة أن شبكات تهريب البشر قد تستفيد من الأضرار التي تلحق بالبيئة.

التغيرات المناخية

تحذر عدة منظمات من هجرة أعداد هائلة من الناس الذين سيصنفون باعتبارهم «لاجئون بيئيون»، تتراوح أعدادهم بين 200 مليون إلى مليار إنسان بحلول عام 2050، فالخوف من اللاجئين البيئيين أصبح الآن قضية سياسية حقيقية. فهؤلاء هم الذين لا يستطيعون العيش أطول من ذي قبل لعدم ضمان أسباب عيشهم في أوطانهم، بسبب الجفاف وتآكل التربة والتصحر وإزالة الغابات والمشاكل البيئية الأخرى، فعندما يبلغ احتباس الحرارة في العالم ذروته عام 2050، قد يتضرر حوالي 200 مليون إنسان بسبب اضطرابات الرياح الموسمية والأعاصير ونظم الأمطار وقسوة دورات الجفاف التي تستمر مدة طويلة، وأيضا بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات الساحلية سيدفعهم يأسهم للبحث عن ملاذ في أماكن أخرى، فلن يهربوا جميعا من وطنهم، والكثير منهم سينتقل داخل وطنه. ولكنهم جميعا سيتركون بيوتهم وقراهم بصور شبه دائمة إن لم تكن دائمة مع قليل من الأمل في عودة يصعب التنبؤ بها. منذ عام 2001 حذرت العديد من المنظمات من بينها الصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة والهيئات الحكومية للتغيرات المناخية وغيرها من تدفق جديد للمهاجرين من أنحاء مختلفة من العالم ويقدرون أن يتراوح عدد المتأثرين بين 50 مليون إلى مليار لاجئ بسبب تغير المناخ.

لاجئون أم مهاجرون؟

من إحدى القضايا الخلافية تتعلق بتعريف هؤلاء اللاجئين الذي غادروا أوطانهم بسبب تغير المناخ هل هم لاجئون بيئيون أم مهاجرون بيئيون ؟ يعرف اللاجئ البيئي هو من هرب من بيئته نتيجة لتلوثها إلى بيئة أخرى نظيفة. إن هذه الهجرة لها نتائج قد تكون سيئة على المجتمع وذلك من حيث تغير حجم السكان من ناحيتين ومن حيث زيادة سكان المدن المستقبلية والآخر في تناقص عدد سكان الريف، ولأن اللاجئين يواجهون لدى وصولهم إلى أماكن غريبة عنهم الجوع والتعب والإذلال والحزن، فعادة ما ينصب اهتمامهم الأول على رعاية أنفسهم، وفي المقام الأول على البحث عن طعام ومأوى. فيقومون بتقطيع الأشجار لتساعدهم على بناء مساكن بدائية، ويتم جمع الأخشاب الميتة لإشعال النيران للتدفئة، واستخدامها كوقود للطهي.

وبإشراك القليل من العائلات، قد لا تصبح التأثيرات البيئية خطيرة للغاية، أو طويلة المدى. في حين من الممكن أن تكون النتيجة، مع وجود آلاف من البشر البائسين، ذات تأثير مأساوي على البيئة، وما هو ضار بالبيئة يصبح في نهاية الأمر ضارا بالإنسان. إن المفوضية العليا لشئون اللاجئين لديها وعى كبير باحتمالات التأثيرات البيئية التي قد يسببها اللاجئون. فالتنافس الذي يحدث على الموارد الطبيعية، مثل خشب التدفئة، ومواد البناء، والمياه العذبة، والأطعمة البرية، يمثل أحد المخاوف المباشرة لدى المفوضية. وقد يقلل التدهور البيئي أو الصراعات بين اللاجئين والمقيمين الأصليين، إذا لم يتم معالجته، من فاعلية برامج المفوضية العليا لشئون اللاجئين، كما يؤثر بنفس القدر من الأهمية على القرارات المستقبلية للحكومات بشأن توفير المأوى لللاجئين.

قضية التخويف

غير أنه من المتوقع، في الوقت نفسه، أن يضع اللاجئون الاعتبارات البيئية في مكانة متقدمة على أمنهم ورفاهيتهم. وهنا، تقدم المفوضية والمنظمات الأخرى يد العون، حيث تساعد في تحديد تأثير اللاجئين إلى أقل مستوى ممكن، وتقدم العون للدول المضيفة في عمليات إعادة الإصلاح والتنظيف.والقضية هنا ليست قضية التخويف من اللاجئين وإنما المقصود منه هو وضع الأمور في نصابها. وقد تعتبر خسارة أي مساحة من الأرض تكسوها الغابات، بالنسبة للعديد من الدول، قضية رئيسية، لأنها تعني تدهور البيئة، وخسارة وظيفة النظام البيئي، وغالباً انخفاض مستويات الدخل، وتدني مستوى المعيشة. وفي مثل هذه الحالات، يكون تعويض الخسارة أو إصلاح الضرر البيئي أمراً مكلفاً للغاية، وليس حلاً عملياً في كل الأحوال. ومن أجل ذلك، يظل تقليل الضرر الذي يصيب البيئة إلى أقل حد ممكن، والحفاظ على خيارات تعزيز التنمية المستدامة، أحد الاهتمامات الأساسية للمفوضية العليا لشئون اللاجئين.

جزيرة توفالو ودارفور

أصغر جزر بولونيزيا وهي الجزر الواقعة جنوب المحيط الهادي، والتي يتهددها خطر الابتلاع بواسطة الأمواج بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. وكانت تقارير قد نشرت على نطاق واسع تفيد بأن نيوزيلندا وافقت على قبول سكانها الألف على أراضيها إذا أو عندما تجعل التغيرات المناخية جزرهم غير صالحة للإقامة. ويبدو أن هذه التقارير غير دقيقة فقد اتضح أن نيوزلندا قبلت بحوالي 75 من سكان توفالو كل سنة، ولكن القوانين لا تشير إلى أن السبب يعود إلى كوارث بيئية. ثمة أمثلة أخرى على تغير المناخ وتأثيره على السكان في السودان أدى التصحر إلى الهجرة فحسب وإنما إلى النزاعات المسلحة حيث أجبر رعاة دارفور على ترك مناطقهم التي تصحرت ودمرت طرائق عيشهم وأسباب رزقهم وأدت موجات الهجرة باتجاه المناطق الخصبة إلى نزاع خطير حول المصادر الشحيحة وقادت إلى حرب في كل إقليم دارفور.

الخطر المحدق بالبشرية

كثر الحديث عن الخطر الذي يداهم البشرية بسبب التغيرات المناخية التي أصبحت مظاهرها حقيقة ملموسة في أنحاء كوكبنا الأرضي. وآخر إشارات الخطر صدرت من لجنة الأمم المتحدة للتغيرات المناخية وتردد صداها في مؤتمر بالي في إندونيسيا أواخر عام 2007، الذي أكد أن الدليل على التغير المناخي «لا لبس فيه»، وحذر من عواقب بيئية كبرى إن لم تتخذ «إجراءات سريعة» لدرء الخطر، وهنا سؤال يطرح نفسه هو لماذا يتفاقم الانهيار البيئي وما هو السبيل لوقفه؟ يرى الكثير من العلماء هو أننا سكان هذه الكوكب قد استهلكنا موارد كوكبنا بمعدلات لم يسبق لها مثيل فالمجتمعات الصناعية لا يزال الوقود التقليدي أو ما يعرف بالوقود الأحفوري يشكل المصدر الأساسي للطاقة وسوف يظل مصدرا أساسيا لها لزمن طويل قادم فهو تقريبا يلبي نحو 80 % من الحاجة الحالية، بينما لا تزيد مساهمة مصادر الطاقة البديلة من الوقود العضوي والطاقة الشمسية والريح على نسبة ضئيلة من الطلب. لذلك فإن انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون سيستمر، وسيستمر معه ارتفاع حرارة الأرض والتغيرات البيئية. ومن جانب آخر زاد استغلال الأرض لغرض الإنتاج الزراعي بنسبة عالية تقدرها الدراسات العلمية بما يقارب 40 % خلال العشرين سنة الماضية.

زيادة السكان

كل ذلك مرتبط بالارتفاع المتنامي لعدد سكان الأرض، إذ يقطنها الآن 6.6 مليون نسمة أي عدد سكان العالم زاد بنسبة 35 % منذ منتصف الثمانينات لكن الرقم سيصل بحلول عام 2050 إلى تسعة مليارات حسب التقديرات. ومع هذه الزيادة المتسارعة في عدد السكان يتنامى الطلب على الطاقة بسرعة يفوق معدلها النمو السكاني. فقد أوصت اللجنة الدولية للتغير المناخي في آخر تقاريرها بأن تبادر الحكومات إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لإحداث تغيير في البنى الاجتماعية والاقتصادية والتشجيع على تغيير أنماط الحياة، كالحد من الاستهلاك البشري المتنامي.

التأثير السلبي

مخيمات المهاجرين التي تسبب الضرر في بعض المناطقإن جميع الأدلة العلمية تشير إلى أن البشرية بأجمعها، تواجه تهديدا يتمثل بنقص الغذاء والماء، العنصرين المهمين لديمومة الحياة، فضلا عن مواجهة الكوارث البيئية كالفيضانات والحرائق. حتى أنه على الصعيد الفردي يؤثر التغير المناخي مباشرة على الملايين من البشر خصوصا من ليس له قدرة على التكيف ومن يعاني من أمراض القلب والجهاز التنفسي بالإضافة إلى انتشار الأوبئة وانتقال مسبباتها ووسائط نقلها إلى أماكن لم تعهدها من قبل. فضلا عن انعكاسات التغيرات على نمو الأطفال وتطورهم وارتفاع نسبة الوفيات والأمراض والأعراض المصاحبة لموجات الحر والفيضانات والعواصف والجفاف وشح المياه الصالحة للشرب. في أحدث التقارير للأمم المتحدة حذرت من أن دول العالم الفقيرة هي المتضرر الأكبر لا بل حتى الفئات الفقيرة في داخل البلدان الغنية هي الأكثر تأثرا بتلك الكوارث.

وكنتيجة لارتفاع حرارة الأرض يزداد ذوبان الثلوج في المناطق الجبلية والقطبية، مما يؤدي إلى الفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر واندثار مناطق على اليابسة كليا، كما هو الحال في بعض بلدان جنوب شرقي آسيا، فبنغلادش تعد من أروع الأمثلة الواضحة على هذا من حدوث الفيضانات فأكثر من 8 ملايين شخص تضرروا بسبب الفيضانات التي جرفت منازلهم وتسببت في انزلاقات في التربة وارتفاع منسوب المياه من نهر الغانج إلى المناطق الوسطى الأمر الذي أدى إلى هجرة الكثيرين من بلدهم إلى المناطق المجاورة أو دول الخليج العربي وهذا ما حذر منه الاتحاد الأوروبي في وقت سابق. أيضا تشهد مناطق أخرى ثوران براكين صخرية، وأكثر المناطق تأثرا هي المناطق الساحلية والمحاذية للأنهار. بينما تعاني بعض أجزاء العالم من موجات جفاف بسبب قلة هطول المطر، مما يتسبب بأزمات مياه ونقص في الغلال، نتيجة نقص الماء في الأنهار وحتى الكبرى منها. ويقول تقرير للأمم المتحدة أن نهرا واحدا من مجموع عشرة أنهار يفقد مصبه بالبحر، كل عام، وينتهي قبل الوصول إليه. ناهيك عن اندثار بعض الأنواع النباتية والحيوانية التي قد يختفي بعضها نهائيا وقد يتقلص وجود أنواع أخرى منها بنسب مخيفة. ولا يمكننا أن ننكر أن الوعي البيئي لدى سكان الأرض ارتفع كثيرا وأن بعض الدول الغنية قد حققت نجاحات في الحد من التلوث.

خط المواجهة الأول

جزر المالديفحذر خبراء البيئة من أن قارة آسيا هي الأكثر عرضة للمخاطر الناجمة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة التغير المناخي، جاء ذلك في سياق تقرير أعده تحالف يضم 21 من وكالات للبيئة والمساعدات الإنسانية منها أصدقاء الأرض والسلام الأخضر وأوكسفام بالتعاون مع الهيئة الدولية للبيئة والتنمية. وحذر التقرير من أن الظواهر المرتبطة بالتغير المناخي تهدد التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي حقتته دول القارة الآسيوية على مدى العقود الماضية، أما الخطر الرئيسي الذي يهدد القارة الآسيوية خاصة الدول المطلة على المحيطين الهادئ والهندي هو ارتفاع منسوب المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

بالفعل قال الرئيس المنتخب لجزر المالديف محمد ناشيد إنه يرغب في «شراء وطن» جديد لشعبه. فالارتفاع التدريجي في مستويات البحر الناتج عن الاحتباس الحراري ربما يضطر سكان المالديف في نهاية الأمر للسكن في مكان آخر، وتعتبر المالديف أكثر النقاط انخفاضًا على سطح الأرض، حيث يبلغ ارتفاع أعلى أراضيها أقل من مترين فوق سطح البحر، كما يرغب الرئيس أن يكون المكان الجديد الذي يوطن فيه سكان بلاده ضمن منطقة المحيط الهندي كالهند أو سيريلانكا حتى لا يكون هناك تغير كبير في الثقافة.

وبحسب التقرير فستكون آسيا مسرحا للدراما الإنسانية لظاهرة التغير المناخي فنصف سكانها تقريبا يقطنون مناطق ساحلية هي الأكثر عرضة لكوارث طبيعية مثل الفيضانات والأعاصير الناجمة عن التغير المناخي. أي أن نحو ثلثي سكان العالم سيجدون أنفسهم على خط المواجهة الأول مع مخاطر التغير المناخي. وتدعو وكالات البيئة الدول الصناعية الكبرى ومنها المملكة المتحدة لاتخاذ خطوات فعالة للحد من انبعاثات الغازات المسببة لارتفاع حرارة الأرض بنسبة 80 % على الأقل بحلول 2050. و يجب أيضا أن تكون الدول الكبرى مثالا تحتذيه الدول النامية والقوة الاقتصادية الصاعدة على استخدام مصادر الطاقة البديلة غير الملوثة للبيئة والتي تعرف أيضا بالطاقة النظيفة.

الهجرة الأفريقية

اكتشف الباحثون طريقا جديدة قد يكون اتخذها الإنسان الحديث سبيلا للانتشار خارج إفريقيا واستيطان باقي العالم. وتشير دراسة نشرت مؤخرا في حوليات الأكاديمية القومية للعلوم الأمريكية PNAS- في هذا الصدد إلى «درب مائي» يمر عبر ليبيا استخدمه الإنسان الحديث طريق هجرة قديم. ويقول الفريق الذي أنجز الدراسة أن الأنهار كانت تجري في تلك الحقبة من قلب الصحراء الحالية لتصب في البحر الأبيض المتوسط. ويعتقد مؤلفو الدراسة أن الإنسان الحديث تمكن عبر هذه الطريق من الانتشار خارج مهد البشرية قبل حوالي 120 ألف سنة.

وترى الدراسة أن شمال إفريقيا كان آنذاك صحراء كما هو الحال في الوقت الراهن، ما يعني أنها كانت حاجزا يصعب تجاوزه للانتقال إلى باقي جهات العالم. وكان البحث فيما سبق منحصرا في وادي النيل باعتباره سبيل الهجرة الرئيسي أما الإنسان قديما.

وتشير المعطيات إلى أن المناطق جنوبي الصحراء الكبرى شهدت هطول أمطار غزيرة خلال حقبة تعود إلى ما قبل 170 ألف سنة واستمرت 40 ألف سنة، وهي الحقبة الواقعة بين عهدين جليديين، وتعرف بعهد ما بين الجليدين. وينتمي أعضاء فريق البحث إلى جامعات أوكسفورد وبريستول وساوثابتون وهول وطرابلس بليبيا. وسعى هؤلاء الباحثون إلى معرفة ما إذا بلغت الظروف أقصى شمالي القارة آنذاك درجة من الرطوبة أكبر مما يعتقد. وقد كشفت صور الرادار التي التقطت من الفضاء آثارا مستحثة لقنوات نهرية تمتد عبر ليبيا من المناطق المائية وسط الصحراء إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. وبعد إجراء اختبارات كيمائية تبين للعلماء أن تلك القنوات كانت نشطة خلال الحقبة المذكورة. وقد تكون وفرت طريقا مائية تمر عبر صحراء قاحلة. ويقول العلماء كذلك إن الشبه بين هيئة الأدوات الحجرية التي نحتت في تشاد والسودان وبين تلك التي صنعت في ليبيا إبان تلك الحقبة، قد يؤكد هذه النظرية. وإن مزيدا من التنقيب الأثري حول هذه القنوات المستحثة ضروري لإثبات صحة هذه الفرضيات. لن يعود الإنسان الحديث مرة أخرى إلى هناك إلا حوالي ثلاثين ألف سنة بعد ذلك. وتشير الأدلة الوراثية إلى أن سكان العالم الذين يعيشون في مناطق غير القارة الإفريقية ينحدرون من مهاجرين جاءوا من شرق القارة السمراء، قبل أكثر من 60 ألف سنة. وعبر عدد من هؤلاء المهاجرين من القرن الإفريقي إلى الجزيرة العربية عبر مضيق باب المندب.

الهجرة بسبب التغير المناخي قديمة!

ارتبط قيام كافة الحضارات الإنسانية على وجه الأرض بعدة عوامل في مقدمتها العوامل البيئية بل إن كل الدراسات والأبحاث التي تناولت نشأة أي حضارة أكدت بما لا يدع مجالا للشك تأثر الإنسان ببيئته المحيطة بحيث كانت دائما نقطة الانطلاق التي تدفعه نحو البناء والتقدم واثبات وجوده ومن هذا المنطلق لا عجب في أن نسمع مقولة مصر هبة النيل ذلك النهر العظيم الذي يشق القارة الأفريقية بحيث كانت مياهه السبب في قيام أقدم الحضارات الإنسانية على ضفتيه وهو يعتبر علامة بيئية مميزة لكافة الحضارات الأفريقية والتي من أهمها الحضارة المصرية القديمة.

وإذا اتجهنا شرقا نجد نهري دجلة والفرات حيث نشأت على ضفافهما حضارة بلاد الرافدين، وان توغلنا شرقا أكثر نجد الوديان والسهول والبحار والمناخ المعتدل والغابات والطبيعة الخلابة والأنهار التي شقت القارة الآسيوية وتجمعت حولها الشعوب لتكون نواة لقيام الحضارات الصينية والهندية، وفي أقصى الغرب حيث القارة الأوروبية وقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية كانت العوامل البيئية مما تحتويه الطبيعة والمناخ سببا في نشأة الحضارات الإغريقية واليونانية والرومانية وحضارات الهنود الحمر القديمة في المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية حاليا.

والملفت والمثير للانتباه انه كما أثبتت الدراسات قيام الحضارات بفضل البيئة أثبتت أيضا اندثار الكثير منها بسبب البيئة والتغيرات المناخية التي كانت وراء اندثار الحضارة المصرية القديمة وحضارة بلاد الرافدين، والحضارة الإغريقية والرومانية أيضا بل أن التقرير البيئي لمنظمة الأمم المتحدة اعتبر التغير المناخي سببا رئيسيا في اختفاء بعض الحضارات الإنسانية وعاملا سلبيا سيساهم إن لم يتم وضع حد له في فناء الجنس البشري كله على وجه الأرض مستقبلا وسوف نصبح حضارات سابقة كما أصبح الذين من قبلنا. التغيرات المناخية الكبرى التي أدت إلى حدوث موجات الجفاف والفيضانات هي التي قادت المجموعات البشرية القديمة إلى بناء الحضارات في وادي النيل وفي الصين وبلاد ما بين النهرين وازدهارها، كذلك هي التي قادت هذه الحضارات القديمة إلى الاندثار والانهيار والهجرة والتشتت. وأن هذه الحضارات لم تتطور بفعل فترات متواصلة استقرار المناخ، بل على العكس من ذلك، بسبب التغيرات المناخية. كما أن تلك الحضارات ليست سوى نتاج مصاحب لتلك التغيرات المناخية، أي نتاج لبيئة معادية وليست ودية قادت الإنسان إلى ضرورة التكيف معها وتطوير تقنيات للتواؤم مع ظروفها. إن الفكرة السائدة تتمثل في أن موجات الهجرة البشرية تتجه من البلدان النامية نحو البلدان المتقدمة.

الدفء الكبير

جليد غرينلاند بدأ يذوبويشير البريطاني «برايان فاغان» في كتابه «الدفء الكبير: التغير المناخي وأثره في نشوء الحضارات وسقوطها»، The Great Warming: Climate change and the rise and fall of civilization. إلى عدم شكه بهبوب موجة كبيرة من الحرارة في العصور الوسطى في أوروبا على رغم أننا نفتقد إلى إحصاءات حول مستوى الحرارة في تلك القارة قبل منتصف القرن 19. ففي القرنين الثاني عشر والثالث عشر كانت انجلترا حارة بصورة جعلت من الممكن لها تصدير الخمور إلى فرنسا، كما أن الخمور كانت تنتج في جنوب النرويج، ما يعني أن ذلك البلد الذي أصبح بارداً اليوم كان وقتها ذا مناخ حار.

أما غرينلاند، ذلك المكان المقفر، فكانت تشهد اقتصاداً مزدهراً لمدة ثلاثة قرون منذ نهاية القرن العاشر الميلادي إلى أن طغى عليها الجليد في حوالي منتصف القرن الخامس عشر. ولا يمكن التأكد تماماً من الوضع في أمكنة أخرى من العالم إلا أن المؤلف يعتقد طبقاً لحسابات معقدة بأن التغيير المناخي هو مفتاح لفهم الكثير من الأحداث على امتداد تاريخ العالم. هذه ليست هذه مجرد تخمينات بل أنها نتائج علمية جرى التوصل إليها من خلال دراسة قاع البحار والبحيرات وجذوع الأشجار مضافاً إليها الوثائق التاريخية مثل التقارير القديمة حول النضوج المبكر لبعض الأزهار والفواكه قبل أوانها منذ ألف سنة في اليابان وكوريا. وكذلك وجود أشجار صنوبر في جبال منغوليا قبل 500 سنة الأمر الذي سمح للخبراء بإعادة تركيب حركة المناخ منذ عام 850 ميلادي.

الجفاف الاستعماري

يعد الجفاف ظاهرة مناخية صاحبت العالم منذ القدم لكنها في السنوات الأخيرة أخذت شكلا استيطانيا كما لو أنها استعمرت بقعة ما رفضت مغادرتها فهذا الجفاف يعد ظاهرة مؤقتة ومتعلقة بمدى سقوط الأمطار وضآلتها على الرغم من أن ضآلتها تحقق توزنا بيئيا في بعض الأحيان. وأظهرت دراسات لحضارة الجرمانيين في الصحراء الأفريقية الكبرى وجنوب ليبيا قبل 3آلاف عام، أن الجفاف قاد إلى التعجيل بتطوير ابتكارات تقنية والى ظهور نمط معماري ملائم خاص بتلك الحضارة. وكانت الصحراء تعاني آنذاك من تحولات جذرية، انتقلت خلالها من كونها منطقة خصبة زراعيا إلى منطقة تركزت فيها موارد المياه قرب البحيرات. ولذا تحول الناس إلى العيش حواليها ثم اخذوا بتطوير الزراعة ثم البناء ثم حفر الآبار لاحقا. وكان الجرمانيون خصما وندا للإمبراطورية الرومانية التي امتد نفوذها إلى شمال أفريقيا. فحلول الجفاف في الصحراء قاد إلى حدوث هجرات نحو وادي النيل، الذي كان موقع الحضارة المصرية القديمة. وأن هناك مؤشرات على أن التغيرات المناخية وازدياد الجفاف أدى إلى تجمع السكان وميلاد حضارات في وادي الرافدين وفي حوض الأنهر في الهند والمدن في الصين.

وبالنسبة إلى العالم العربي فإن كتاب «فاغان» يقرع جرس الإنذار من ناحيتين على الأقل:

- الناحية الأولى، أكاديمية وتتصل بتعليم التاريخ ومحاولة فهمه حالياً بعيداً عن ارتباطه بالجغرافيا والمناخ وفروعهما، وعليه سيظل التاريخ العربي ناقصاً ما دام البعد الجغرافي غائباً عنه، وهذه الناحية يجدر بالمؤرخين العرب إيلاءها الأهمية التي تستحق. والواقع أن المناخ هو أحد أبرز محددات التاريخ العربي بسبب الطبيعة الصحراوية للأجزاء الأكبر منه. فلا يمكن فهم ماضيه وحاضره ومستقبله في معزل عن إطاره المناخي - الجغرافي مثله مثل أية منطقة أخرى في العالم لها محدداتها المناخية – الجغرافية المغايرة.

- الناحية الثانية، فتتصل بالمستقبل العربي. فالحضارة العربية – الإسلامية قامت كما الحضارات التي سبقتها في الرقعة الجغرافية نفسها على ضفاف الأنهار مثل دجلة والفرات والنيل. ويتعرض دجلة والفرات لعملية تجفيف منظمة من منابعهما في تركيا كما يعرف الكثيرون بسبب عشرات السدود التي تبنيها تركيا على مسار النهرين من دون الأخذ في الاعتبار قوانين تقاسم المياد الدولية. أما مصر، فهناك مشاريع كثيرة قيد التصميم لبناء سدود على هذا النهر في البلاد الأفريقية التي ينبع ويسير فيها النهر قبل دخوله الأراضي المصرية. وعلى رغم الحفاظ على حصة مصر القانونية من مياه النيل فإنها ستفقد حصة البلدان الأفريقية الأخرى التي لم تكن تستخدم حصصها سابقاً. أضف إلى ذلك أن تزايد عدد السكان يجعل الضغط على متطلبات المياه العذبة والجوفية في تزايد هو أيضاً.

كارثية المياه

وشاءت الطبيعة أن تكون الأنهار الرئيسية في العالم العربي غير نابعة من داخله فمصر وسورية والعراق بلدان مصبات وليست بلدان منابع. ولا بد من ترشيـد شديد لاستهلاك الماء حتى نستطيع أن نبقي على حصة الفرد العربي الحالية من الأمتار المكعبة من المياه. وقد حذر البنك الدولي من أن الدول العربية تواجـه أزمة مياه كارثية، ودعا إلى خفض الاستهلاك وترشيده لأن نصيب الفرد العربي من المياه سيتراجع إلي النصف بحلول العام 2050. هناك حاجة إلى علماء الجغرافيا وعلماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) وعلماء المناخ لفهم الماضي ومحاولة استقراء المستقبل العربي وتحدياته. ومن دون فتح أبواب التفاعل بين هذه الاختصاصات الأكاديمية والعلمية لا يمكن أن نستفيد مما تنتجه الحضارة الحديثة من تكنولوجيات قد تساعدنا في حل بعض أهم التحديات التي تواجهنا في غير المضمار السياسي الذي يستهلك معظم اهتماماتنا من دون وجه حق أو ضرورة!

الكارثة المناخية التي ضربت الحضارات القديمة

الحضارة المصرية القديمة: يأتي الفيضان كل عام ليغذي التربة بالطمي. وهذه الظاهرة الفيضانية الطبيعية جعلت اقتصاد مصر في تنام متجدد معتمدا أساسا علي الزراعة. ومما ساعد عل ظهور الحضارة أيضا خلو السماء من الغيوم وسطوع الشمس المشرفة تقريبا طوال العام لتمد المصريين القدماء بالدفء والضوء، ثم انهارت الحضارة المصرية العظيمة قبل 4200 سنة، وقد بنى الفراعنة تلك المملكة المصرية القديمة لتكون أقوى ميراث في العالم القديم وهو الأهرامات، وقد ظل هناك جدال كبير حول ما حدث وسبب اندثار هذه الحضارة وجاء التغير المناخي ليثبت وجوده ليحل اللغز الكبير، ففي سجلات قديمة للمناخ العالمي وجد فيها أن انخفاضا حاد في هطول الأمطار بنسبة 20 % حدث في تلك الفترة وهو أضخم حدث مناخي خلال خمسة آلاف سنة وقد حدث سنة 2200 قبل الميلاد بالتحديد، فعندما تم الحفر في قاع بحيرة قارون في مصر والتي يغذيها أحد روافد النيل وجد أن البحيرة جفت تماما في تلك الفترة وهي المرة الوحيدة في التاريخ التي جفت فيها تلك البحيرة.

الهلال الخصيب: جميعنا نعرف منطقة الهلال الخصيب والتي هي على شكل منجل يصل طوله 3000 كم يقع بين الصحاري والجبال القاحلة ويمتد على صورة قوس من وادي النيل في مصر إلى شرق البحر المتوسط وصعودا حتى الخليج العربي حيث أنه يعبر لبنان وغرب سوريا وينحدر بين دجلة والفرات في العراق وهي المنطقة التي عرفت بأنها منطقة زراعية، ففيها نشأت أولى المستوطنات البشرية والحضارة الأولى ولكن كثير من الدراسات تشير إلى أن التغير المناخي الذي يصيب العالم سيجفف أنهار المنطقة ويدمر زراعتها الأمر الذي سيترتب عليه آثار مدمرة على مستوى المنطقة كلها. إن الزراعة المروية المعتمدة على مياه الأمطار ساعدت على نشأة الحضارات القديمة في منطقة الهلال الخصيب ولكن في وقتنا الحالي وبسبب التغير المناخي الذي يعصف بالأنظمة البيئية والناتج عن عوامل بشرية هذه الزراعة سوف تندثر. هذا الجفاف تسبب في هجرة بعض سكان هذه المنطقة إلى مناطق أخرى سهلة العيش وموفور المياه. توجد مؤشرات على زيادة الجفاف في هذه المنطقة كما هو حاصل في مستجمعات الأمطار التي تصب في نهر الأردن كما أنه لم تعد هناك ثلوج كثيفة على هضبة الجولان وحينما تذوب الثلوج فإن المياه تتسرب بسرعة أكبر.

الحضارة الرومانية: عرفت هذه الحضارة بازدهارها وبجيشها القوي حيث أن هذه الحضارة امتدت من المحيط الأطلسي إلى سهول نهر الدانوب ومن مستنقعات أسكتلندا الباردة إلى صحاري مصر الدافئة. حيث كانت مدينة روما مدينة كبيرة عدد سكانها بلغ أربعة ملايين نسمة ولكن أين هذه الحضارة الآن لقد اختفت ومن أسباب اختفاء العديد من شواهد هذه المدينة يرجع إلى التغير المناخي الذي يمثل في البراكين والفيضانات الكثيفة غير المتوقعة والحروب.

طبيعة الأراضي

تعد بنغلادش من أروع الأمثة على الهجرة البيئية بسبب الفيضاناتتعاني الأراضي شبه القاحلة من الجفاف نسبياً. بيد أن ما يميزها بشكل خاص هو التقلبات القصوى في معدل هطول الأمطار بين عام وآخر ومكان وآخر. إن هذه التقلبات هي التي غالباً ما تؤدي إلى مشاكل كالتصحر أو انخفاض إنتاجية أراض معينة. فخلال المواسم الجيدة، تميل المجموعات السكانية الرعوية ومربّو الماشية إلى توسيع أعداد قطعانهم. وبالطريقة نفسها، يميل بعض المزارعين إلى زراعة أراض ذات مردودية زراعية ضعيفة. وحين تظهر أعوام الجفاف مجدداً، تمارس القطعان التي جرى توسيعها ضغطاً سلبياً على النبات ويكون الحصاد سيئاً في هذه الأراضي. وتصبح التربة متعبة بفعل هاتين الظاهرتين، وهذا ما يعرضها للتآكل. وإذا كانت التقلبات المناخية تشكل أحد أسباب التصحر في المناطق شبه القاحلة، إلا أن الضغوطات التي يمارسها الإنسان لجعل هذه الأراضي أكثر إنتاجية، فضلاً عن بعض السياسات الحكومية المعتمدة، تسيء بالطريقة نفسها إلى تلك الأراضي. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الحكومات الساعية إلى زيادة عائدات التصدير، تشجع المزارعين على زراعة منتجات تجارية، كالفستق والقطن، وهي منتجات أقل تكيفا مع المناخ مقارنة مع الأنواع التي كانت محلها.

الهجرة الهدامة

يظهر الفقر عندما لا يكون أمام المجموعات السكانية من مصدر آخر للعيش سوى الأرض. وفي ظل غياب الخيارات البديلة، سيواصل المزارعون والمجموعات السكانية الرعوية مزاولة هذه الأنشطة، وكثيراً ما يتم ذلك على حساب البيئة. في هذا السياق، قد يكون لحركات الهجرة منافع معينة. ذلك أن انتقال السكان من الأرياف إلى المدن يمكن أن يتيح تنوع مصادر الدخل والحد من الضغط القائم على المناطق الريفية. لكن هذه الحركات تؤثر أيضاً على الأسر وبنى المجموعات السكانية إذ أن المهاجرين يكونون عادة من الرجال الشباب. يعيش نحو 200 مليون شخص خارج بلدان مولدهم. وهناك ضغوط قوية على الهجرة الدولية مدفوعة بالفروق في النواحي الديموغرافية ومستويات الدخل الحقيقي بين البلدان. وتكمن القضايا الرئيسية في كيفية تقليص الآثار الهدامة للهجرة الدولية الواسعة النطاق وتعزيز أثرها الإنمائي.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 108