تحقيق: محمد فؤاد الجارحي
تؤدي الثروة السمكية دوراً بارزاً في دفع عجلة التنمية وتوفير الغذاء وتعظيم العائد الاقتصادي في الكثير من الدول، وقد ظهر في الألفية الماضية الاهتمام بتقدير تلك الثروات المائية الحية.
وقد حاولت كثير من الدول إعطاء الأولوية للحفاظ على تلك الثروات السمكية المتوفرة وضمان الاستغلال المستدام لها، إلا أنه لوحظ في العديد من دول العالم وجود نقص حاد فيما يتعلق بأنظمة جمع وتحليل المعلومات الخاصة بإنتاج وتقدير المخزون السمكي، إضافة إلى الافتقار إلى الكوادر المؤهلة والمعرفة باستخدام برامج الحاسب الآلي في تحليل البيانات السمكية.
وأدى عدم الاهتمام بمعرفة حجم الكتلة الحية (المخزون المتوفر) وحجم الكتلة القابلة للاستغلال إلى انخفاض كبير في إنتاج بعض من الأنواع السمكية، نتيجة الصيد الجائر والتلوث ودمار البيئات الأساسية التي تعيش عليها الأسماك.
مفهوم المخزون (The Stock Concept)
إن مفهوم المخزون يعني مجموعة جزئية لأنواع من الأسماك تعتبر عموماً كوحدة تصنيفية أساسية بحيث تكون لهذه المجموعة الجزئية نفس معدلات النمو والنفوق وتعيش أو تقطن في منطقة جغرافية محددة.
وعرّف كوشن (1968) المخزون السمكي على أن له منطقة توالد واحدة تأتي إليها الأسماك البالغة كل سنة.
وتبعاً لجولاند (1983) فإن المخزون السمكي دراسة علمية لتحديد إنتاجية المصايد، وتأثير عملية الصيد على المصايد، وأثر تغير معدلات الصيد.
وتحتاج المصايد التي ليس بها صيد مكثف أو بها صيد تقليدي وتنتج إنتاجاً أقل من الإنتاج المتاح طبيعياً إلى معرفة كمية الصيد الممكن استغلالها من المخزون السمكي المتوفر دون تدمير للمصايد.
ولذا فإنَّ المسوحات التي صممت وأجريت في الخليج العربي وخليج عمان خلال الفترة 1975-1981 تعطي خير مثال لذلك؛ حيث هدفت إلى تقدير الأسماك القاعية والسطحية المتوفرة، وتم المسح بواسطة 4 سفن بحثية أعطت صورة متكاملة للموارد القاعية (عدا الروبيان) مع رسم خرائط مفصلة لمتوسط معدل الصيد لأنواع مختلفة عند أعماق مختلفة.
وأعطت النتيجة النهائية تقديراً للكتلة الحية والتكوين النوعي لكل عمق حيث قدرت الكتلة الحية لكل الأنواع القاعية على أنها 500 ألف طن في العام في الخليج العربي.
المخزون السمكي بالبلاد
أوضح معهد الكويت للأبحاث العلمية أن كميات الإنتاج السنوي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي كانت تتراوح ما بين 8 آلاف وتسعة آلاف طن، بينما وصلت الآن إلى 3 آلاف طن فقط خلال العام 2013 في وقت تنامى فيه أعداد المواطنين والوافدين بالبلاد وزيادة الطلب على هذا المورد.
وأرجع المعهد سبب تراجع المخزون السمكي إلى أسباب بيئية عدة منها: زيادة ملوحة مياه شمال الخليج العربي، والتغير في التنوع البيولوجي، والتغير المناخي في درجة الحرارة والتغير في الإنتاج الأولي للسلسلة الغذائية (الكلوروفيل)، وأشار إلى أن هناك أسباباً أخرى غير بيئية منها: عمليات الصيد الجائر والشباك، والإفراط في الجهد المبذول، والتلوث الناتج عن الإنشاءات والصيد غير المرخص في الأماكن الممنوعة مما يقلل من فرص التكاثر. ونتيجة لهذا الانخفاض في المخزون السمكي أدى إلى زيادة الاستيراد وزيادة أسعار السمك في السوق وتغير التجارة في السنوات الأخيرة.
ونظراً لأهمية هذا المورد الغذائي المهم للبلاد فإن معهد الكويت للأبحاث العلمية يقيم مشروع «المخزون السمكي في الكويت»، وذلك بدعم من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بهدف وضع الحلول والتوصيات المناسبة لهذه المسألة.
ويقوم المشروع بجمع البيانات اللازمة لتحديد وتقييم المخاطر البيئية أو غير البيئية وتحديد المخاطر التي تهدد هذا المورد المهم، كما أن هناك إجراءات إدارية يقوم المعهد بدراستها واختيار أفضل الحلول التي تفيد الثروة السمكية في البلاد وتقديمها لمؤسسة التقدم العلمي ومن ثم رفعها إلى الحكومة.
ولذلك لابد من أهمية إثراء المخزون السمكي والروبياني في مياه الخليج العربي نظرا لما يتعرض له من انخفاض عاماً تلو الآخر وذلك من خلال إقامة دراسات ومشاريع وإصدار توصيات خاصة بإعادة تأهيلها.
وللثروات المائية الحية دور في دفع عجلة التنمية وتعظيم العائد الاقتصادي وكذلك الأمن الغذائي ما يتطلب الحفاظ على الثروة السمكية وحمايتها وضمان الاستغلال الرشيد والمستدام لها، مشددا على ضرورة تأسيس تلك الحماية على قواعد علمية سليمة ورصد بحوث ودراسات علمية لتقدير مخزوناته ووضع نتائجها أمام متخذي القرار والمسؤولين عن إدارة الثروة السمكية.
وبعد رصد الانخفاض في المخزون السمكي الخليجي في مصائد الأسماك التجارية وخاصة أسماك الزبيدي والهامور والصبور والحمرا وغيرها ما أدى الى قلة المعروض منها وارتفاع أسعارها، بادر المعهد إلى تبني هذا المشروع للتوصل إلى أفضل إجراءات لإعادة تأهيل الثروة السمكية.
مختصون.. يتحدثون
يوضح مدير إدارة الأبحاث في مؤسسة التقدم العلمي عصام عمر بأن الخطر في نقص المخزون السمكي، وهذا الانخفاض قد يزداد في المستقبل إذا لم يتدارك الوضع الحالي بالمشاريع والدراسات الهادفة.
وتبين المدير التنفيذي لمركز أبحاث البيئة والعلوم الحياتية بمعهد الكويت للأبحاث العلمية الدكتورة فايزة اليماني أن أهمية الثروة السمكية تتجلى كمصدر غذائي مهم وعالي الجودة لشعوب العالم عامة والخليج خاصة، لافتة إلى أن الدول ذات الدخل المرتفع والبلدان النامية تعتمد على هذا المورد المهم، إذ يبلغ عائد مصائد الأسماك عدة مليارات دولار سنويا.
وأوضحت اليماني أن تناقص مخزون الأسماك والقشريات ذات القيمة التجارية والمعروفة حول العالم أدى الى استغلال انواع اخرى كانت غير تجارية لسد النقص في الإنتاج ما سيؤثر سلبا على مخزونها في المستقبل القريب، مؤكدة أن الزراعة المائية لعبت دورا إيجابيا في تقليص الفجوة بين الطلب والعرض العالمي.
ويقول مدير برنامج إدارة الموارد البحرية القائمة على النظام البيئي بمعهد الكويت للأبحاث العلمية الدكتور محسن الحسيني إن البيئة البحرية في منطقة شمال الخليج مميزة وحساسة في الوقت نفسه، إذ تتأثر سريعاً بأي متغير بيئي أو التلوث أو النشاطات الحضرية وتعرض الثروة السمكية إلى مخاطر تؤدي إلى انخفاضها وانهيارها وانقراضها.
وأوضح أن فريق عمل المشروع في السنة المنصرمة حدد الأنواع التجارية المهمة لدراستها من خلال التحليل الكيفي وهي الزبيدي والهامور والصبور والشعم والنويبي ونوعين من الروبيان والميد والنقرور، فضلاً عن المصيد الجانبي وهي القرش الحياسة وثلاثة أنواع من الشعري والكاسور والعاقول ونوعين من الجم والعصابة.
وأضاف ان الدراسة شملت ايضا ستة أنواع من الهامور واليواف وبوفجيج والفرش والأحياء المهددة بالانقراض والمحمية من ضمن 130 نوعا وهي نوعين من القرش بومطرقه والقرش أبو سيف واللخمة المعروفة بالطيارة والشيم وثلاثة أنواع من السلاحف.
وذكر انه تم جمع البيانات المتوفرة لهذه الأنواع لتحديد المخاطر والمؤثرات البيئية المحتملة مثل زيادة التغير في مثل درجة الملوحة لمياه البحر وتآكل الموائل وإنتاج الكلوروفيل والتغير المناخي والتلوث والتغير في التجارة لدراسة وتقييم المخاطر البيئية في تأثر الصيد لعشرة من الأنواع التجارية وذلك عن طريق تحليل قياس القدرة على استعادة الحيوية والتعرض للاصابة.
وأفاد بأنه تم الطلب من الدول المجاورة كالعراق وإيران التركيز على بعض الأنواع المهمة تجاريا للمساعدة في إثراء التعاون حول موضوع أسباب التناقص والمخاطر التي تواجه هذه الأنواع.
تصوير: فيصل الحربي