المباني الموفرة للطاقة

المباني الموفرة للطاقة

المباني الموفرة للطاقة

م. عبدالأمير الجزاف - المؤسسة العامة للرعاية السكنية

إن المصاريف المالية للتدفئة والتبريد في الفصول المختلفة في السنة تعد مرتفعة جدا لهذا الشان فمن الأفضل تقليل تكلفة هذا الاستخدام وتوفير الطاقة حيث انها مسألة عالمية، ولها مؤيديها وأبحاثها العلمية ، وليس فقط من مبدأ تقليل تكلفة الحياة المريحة للإنسان بل أيضا من أن مصادر الطاقة ستشح مع الوقت في جميع انحاء العالم .وبالتالي ستصبح تكلفتها هائلة مما سيحرم شرائح اكبر من السكان من التمتع بها في المستقبل، وها نحن نشهد كيف أن أسعار البترول زادت بمقدار %130 خلال السنتين الماضيتين فقط . كذلك فان تقليل استهلاك الطاقة يساعد الإنسانية على الحفاظ على البيئة نظيفة و اقل تضررا من النواحي السلبية المؤثرة على صحته. إذا فالأمر يحتاج منا إلى الحرص والانتباه قبل فوات الأوان، خاصة ونحن نشيد مباني سكنية أكثر بكثير من تشييد مصانع أو مرافق أخرى. لقد اقتنع الكثير في العالم بان أسهل الحلول للوصول إلى توفير الطاقة هو العزل الحراري للمباني.

ما هو العزل الحراري؟

العزل الحراري هي طريقة تستخدم فيها مواد خاصة لها صفات جيدة في العزل توضع في السطوح التي تفصل بين المناخ الخارجي للمبنى والمناخ الداخلي له لتمنع انتقال الحرارة الداخلية المرتفعة في الشتاء من الداخل إلى الخارج وتمنع دخول الحرارة المرتفعة في الخارج إلى الداخل في فصل الصيف، أو بكلمات أخرى تمنع أو تقلل من التبادل الحراري بين الجو الداخلي للبناء والهواء الخارجي.

لماذا العزل الحراري؟

إن فقدان الحرارة التي ينتجها الإنسان داخل شقته مثلا في فصل الشتاء ، والتي تؤمن له جو مريح للحياة يتم معظمه من خلال الحوائط والأسقف والأرضيات التي تكون درجة حرارتها من الجهة الخارجية اقل من الداخلية حيث تنتقل الحرارة عادة من الدرجات المرتفعة إلى المنخفضة. لهذا فان الحل يكون بمنع أو تقليل الفقدان بوضع حاجز حراري يمنع ذلك، وهذا الحاجز هو العازل الحراري.
فالعازل الحراري مكون من عدد كبير من المواد المصنعة خصيصا بأشكال مختلفة تحمل صفة مانعة لانتقال الحرارة ( تعرف بالمقاومة الحرارية ) وبالتالي تمنع أو تقلل من الفقدان الحراري وهذا يعني عدم الحاجة إلى إنتاج كميات كبيرة من الحرارة داخل المنزل وبالتالي التوفير في الطاقة ومعدلات استهلاكها. ولنأخذ مثلا منزلا معزولا ونقارنه بمنزل من نفس المساحة غير معزول فنجد أن المنزل المعزول جيدا لا يحتاج إلى نصف الطاقة المستهلكة في المنزل الآخر، لان الحرارة الداخلية المنتجة من مصادر التدفئة تبقى دون ضياع الجزء الأكبر منها من خلال الحوائط والفتحات والأسقف غير المعزولة، ويقارن بعض الناس ذلك بكلمات أخرى حيث يقول البعض انه لايحتاج لأكثر من ثلاث ساعات تدفئة في الشتاء وآخرون يحتاجون إلى ثماني ساعات مثلا وهكذا.
الدور الهام للعزل الحراري

إن عدم كفاية العزل الحراري وتسرب الهواء هما الأسباب الرئيسية لضياع الطاقة في معظم المباني وبوجود العزل الحراري نكسب صفات أخرى للبيت الذي نعيش فيه مثل عزل الصوت الذي يؤمن بيئة مريحة أكثر. والعزل الحراري يمكن إضافته لأي منزل تقريبا سواء قائما أو في طور الإنشاء قديما أم حديثا لهذا فهو في متناول الجميع ويحتاج الأمر فقط إلى معرفة جيدة بنوع العازل المستخدم ومدى ملائمته للبناء القديم، حيث تعتمد كمية الطاقة التي يمكن الاحتفاظ بها على عدة عوامل مثل الطقس المحلي، الحجم، الشكل، ونوعية البناء، كذلك على العادات المعيشية للعائلة ( أوقات العمل، أوقات التواجد في المنزل ) وعلى نوعية وفاعلية التدفئة والتبريد المستخدمة.

أولويات العزل الحراري

هناك أماكن أو أسطح في البيوت تكون لها أولوية أكثر من غيرها في العزل الحراري، وبمعنى آخر تحتاج إلى كمية عزل أكثر من غيرها بسبب قدرتها على الفقدان الحراري أكثر من غيرها وهي بالترتيب:
1. الأسطح، خاصة الأسطح العلوية والفتحات والأبواب.

2. الأرضيات المتصلة بأسطح غير مدفأة مثل الأرضيات السفلية للمباني والحوائط تحت مستوى الأرض الطبيعية وأطراف البلاطات الأرضية.

3. الحوائط الخارجية حيث يفضل أجراء حسابات حرارية لها، لمعرفة الدرجة التي نحتاجها من العزل وسواء لحوائط القائمة أم الجديدة.

تكلفة العزل الحراري

يعتقد البعض أن العزل الحراري أو البناء الموفر للطاقة يحتاج إلى تكلفة عالية، وبالتالي فان عدم القدرة على دفع تكاليف أولية ثابتة أمر لا يشجع على الذهاب إلى العزل الحراري أو التصميم الموفر للطاقة، وهذا الاعتقاد الخاطئ مازال موجودا عند الكثير من الناس. لقد أجريت دراسات محددة على نماذج لأنظمة البناء الموفرة للطاقة وقد توصلت الدراسات إلى أن التكلفة الزائدة التي يدفعها المواطن على العزل الحراري لمنزله يمكن استردادها في فترة تصل من سنتين إلى أربع سنوات على الأكثر نتيجة التوفير في استهلاك الكهرباء بشكل أساسي، وهذا دليل كبير على أن التكلفة. هذه التكلفة الأولية بالمنافع الأخرى التي يستفيدها الساكن مثل بيئة الحياة والعمل المريحة، وبالتالي الإنتاجية الأفضل وقلة الأمراض والحياة النفسية الأحسن في الجو المريح فالتكلفة الأولية هنا ستصبح اقل بكثير.

عوامل أخرى

من اجل الوصول إلى بيت مريح وموفر للطاقة يجب الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى لها تأثير كبير على حياتنا وعلى استهلاك الطاقة نحتاج إلى الإشارة إليها مثل:
* تسرب الهواء: حيث أكثر العوامل التي تؤثر على درجات الحرارة الداخلية، ولنتصور أن شباك واحد يسرب الهواء يكفي لزيادة استهلاك الطاقة بنسبة تزيد عن 20% من الوضع في حالة عدم التسرب، عدا عن الإزعاج الصحي الذي قد يسببه ذلك، لذلك من المفروض المراقبة على الفتحات خاصة مثل الشبابيك والأبواب وضرورة جعلها مانعة للتسرب تماما، وهناك مجموعة وسائل يمكن استخدامها مثل أشرطة الإلصاق في الزوايا والوصلات وحول الفتحات، كذلك يوجد أنواع من المعاجين الخاصة لأنواع كثيرة من التسرب والرغوات (Foams) وغيرها.

* التهوية: التهوية ضرورية للمنزل لسببين رئيسيين:

1) التحكم بالرطوبة الداخلية حيث تمنع التهوية الرطوبة من الارتفاع لمستويات عليا تؤدي إلى تكون رطوبة على السطوح الداخلية مثل الشبابيك والحوائط.

2) تجنب التلوث الداخلي حيث يمكن تلوث الهواء الداخلي في المباني المعزولة جيدا نتيجة لنقص الهواء الطازج، لهذا لابد من تمرير كمية من الهواء الصحي المجدد إلى المنزل للحفاظ على سلامة الهواء المستخدم ولمنع تلوثه بالجراثيم والأمور المعدية.

هل العزل الحراري الوسيلة الوحيدة لتوفير الطاقة؟

الجواب المباشر طبعا لا، ربما هو الأكثر سهولة وتوفيرا كونه ينفع للمباني الجديدة والقائمة على السواء، وربما لأنه متوفر أكثر وضمن التكاليف المقبولة. أما الوسائل الأخرى فتكون من البداية، أي في التصميم الموفر للطاقة وهو أمر لم نعتد عليه منذ خمسين سنة، لكننا نعرفه إذا ما راجعنا منازلنا القديمة وكيف بنيت وكيف توفر لنا بيئة داخلية مريحة شتاء وصيفا على السواء، دون وجود المواد الحديثة المستخدمة لذلك ودون وجود مصادر تدفئة أو تبريد ميكانيكية، إنها المباني البيئية، أي التي تتعامل مع البيئة المحيطة برفق وتكامل وانسجام. لكننا لم نعد نستطيع العيش في تلك المباني بسبب عدم قدرتها على تلبية المتطلبات المعيشية الحديثة، ولم تعد تتسع للخصوصية التي يطلبها الإنسان المعاصر والتكنولوجيا الحديثة الحديثة التي تملأ حياته. إذا ما هو الحل؟

بالطبع هذا الموضوع، أثار انتباه عدد كبير من العلماء والمهندسين في مختلف أنحاء العالم حيث ظهرت الكثير من التوجهات الحديثة للعمارة البيئية، وجرت محاولات عديدة لتطبيقها، لكنها مازالت غير منتشرة ومكلفة جدا. أما الأمر الآخر فهو ظهور مواد حديثة تستخدم في المباني الحديثة تستطيع توفير ظروف أفضل للإنسان مع توفير في استهلاك الطاقة، وهي تتعامل مع البيئة مثل الشمس والهواء وغيرها بطريقة صديقة، وتراعي الظروف الخارجية وتتمتع بصفات ذكية.
كما أن استخدام التكنولوجيا الرقمية ادخل بعدا جديدا في كيفية التحكم بالظروف المؤثرة على المباني مثل درجات الحرارة الخارجية والإشعاع الشمسي والإنارة والطاقة الكهربائية وكيفية استغلال بعض مصادر الطاقة الرخيصة لتوليد طاقة نافعة مثل الطاقة الشمسية والحرارة الأرضية والمياه وغيرها.

المصدر: مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 90