إطفاء آخر بئر نفطية

 


مناسبة إطفاء آخر بئر 6 نوفمبر


 


نظرة تمعن وتبصر


 


 


 


محمد سعيد الرمضان


 


قال الله سبحانه وتعالى في سورة نوح عليه السلام، مخاطباً الإنسان وواصفاً مدى الإختلاف بين البشر في أشكال طباعهم وأمزجتهم التي يظهرون بها ويتعاملون بموجبها مع بعضهم البعض  في أبلغ قول موجز حيث قال عز من قائل «وقد خلقكم أطوارا»  نوح    والطور هو الشخصية السلوكية وهي شاكلة الإنسان وما يظهر به من تصرف أمام الملأ  وتأتي هذه الشخصية السلوكية وليدة التخلق والتطبيع سلباً وإيجاباً بمدارس الحياة على اختلاف أنماطها وأشكالها، مدارس كالمجتمع، المعهد، والخلطاء من الأصدقاء والجلساء  ومن خلال ذلك يكتسب مجموعة من السلوكيات وأنماط عدة من التصرفات التي تميز الإنسان عن سائر خلق الله.


مما سبق ذكره من حزمة سلوكيات ما هو معقول، أو مرغوب أو أن يكون مرفوضا جملة وتفصيلاً  ومن هذه التصرفات المرفوضة تلك التصرفات المؤذية للأفراد والمجتمعات، والبشرية كافة وللبناء على كوكب الأرض قاطبة. وخير مثال على التصرفات الحميدة، مساعدة الغير، الرغبة في التحصيل العلمي والآداب، والعمل ذو الكسب المشروع، إماطة الأذى عن الطريق وغيرها.


ولكن بكل أسف هناك سلوكيات وتصرفات هوجاء شديدة الأذى للبشرية خارجة عن المألوف كما جاء من تصرفات وممارسات على يد «صدام حسين» حيث إن هذا المخلوق لم يبق في قاموس الشر شيئاً لم يرتكبه، لقد هيأ له إبليس حكماً فحكم وابتعد في حكمة عن العدل ومع أنه محسوباً علينا بشراً لا إنه عامل البشر بعيداً شعور الإنتماء لهم  ابتعد عن العدل والمنطق وعن شعور الإنتماء لهم، بعد المشرق عن المغرب، قتل وبطش واستباح الأعراض على مستوى إقليمه والأقاليم المجاورة  وخالف تعاليم السماء عند قول الله سبحانه وتعالى «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»  هود 60.     


عندما دخل دولة الكويت خالف قول الله سبحانه وتعالى وانتهج سياسة الأرض المحروقة، بدل أن يعمر الأرض هدم وأزال واتلف البناء وأطلق يده التي لم تعرف الخير أبداً أو الإحسان مطلقاً  في إتلاف المرافق ونهب المحلات وهدم المنشآت الاقتصادية البترولية عصب اقتصاد الكويت  وهدم المؤسسات الخيرية الثقافية وحرق البترول وسكبه ظلماً في البر والبحر ،وكان نتيجة ذلك إحداث اكبر تلوث شهده القرن العشرين في المنطقة، وافترى كثيراً عندما حرق ما يعادل 760 بئراً جاعلاً أعمدة الدخان وألسنة اللهب ترتفع إلى السماء لكي تجعل نهار الكويت ليلاً بفعل سحب الدخان الكثيفة، التي انطلقت لتغطي منطقتنا وتنطلق إلى مسافات بعيدة حول الأرض  محدثة الأذى وتلوث الهواء لسكان المعمورة أينما وجدوا.


هذا السلوك العدائي يعتبر أحد الاطوار المرفوضة والسلوكيات الإجرامية التي لا يعرف إلا الله سبحانه مقدار ما يستحق عليها من عقاب، ولكن حكمة الله كبيرة  فلقد خلق الأفعى والعقرب وجرثومة الكوليرا والطاعون ولا نملك أن نتسائل لماذا؟ لأن هذه وسائل القضاء والقدر يحرك الله سبحانه وتعالى بها مشيئته وعقابه ورحمته.


لا شك أن لاعتداءات صدام حسين على الكويت عواقب وخيمة في انتشار الحالات المرضية مثل سرطان الجلد، سرطان الرئتين، الربو الحساسية والتي أفادت الإحصائيات أنها بسبب التلوث البيئى من جراء الكم الهائل المسكوب من النفط في البيئة الكويتية والذي هو قرابة بــ  750 ألف برميل في اليوم حسب التقديرات بالإضافة إلى ما يقدر 75 مليون متر مكعب من الغاز كما أبلغت بذلك المكاتب الاستشارية وهذه الكمية ومع إنها كانت تتناقص مع إطفاء كل بئر، إلا أن هذه الكمية ينعكس أثر احتراقها على حجم وكمية الملوثات التي تتصاعد إلى الهواء نتيجة احتراق الآبار.


وقد أجريت الدراسات لبيان التركيب الكيمياوي لسحابة الملوثات واشتمل ذلك على القياسات على سطح الأرض، ومن علو شاهق ومن ارتفاع 3 أمتار من سطع الأرض وذلك إبان شهر مايو عام 1991.       


وقد دلت التقديرات على أن هناك نوعين من سحب الدخان، الأولى ذات اللون الأبيض، والثانية سحب الدخان ذات اللون الأسود، السحابة الدخانية البيضاء تحتوى على مقدار بين 12 إلى 15ملجرام من الجزيئات العالقة في المتر المكعب الواحد.


السحابة السوداء القاتمة تشاهد من على بعد 700 كم من الكويت وكان ارتفاعاها لا يزيد عن 700 م فوق سطح الأرض وهناك قطرات من النفط والجسيمات الكبيرة من الدخان لا ترتفع مع السحابة بل تتساقط على الأبنية، و السيارات والممتلكات ملوثة بذلك هذه الأماكن بحيث كان من الصعب ازالتها.


وكان من الأمور التي ساهمت في تثبيت هذه الملوثات أمرين الأول ظاهرة الانعكاس الحراري، والثاني نمط الرياح السائدة الشمالية الشرقية والشمالية الغربية حيث أسهمت كثيراً في حماية المواطن خاصة الذي لم يغادر البلاد طلباً للأمن والرزق كما فعل غيره.


وإذا ما أراد أحد التزود بمعلومات عن البيانات الدقيقة أثناء فترة السحابة فعليه الرجوع إلى كتاب الوضع البيئى بدولة الكويت تأليف الهيئة العامة وهو التقرير المعد عن الجرائم الكثيرة المخزية التي ارتكبها صدام حسين ضد الجيران وضد البيئة.


 ولقد أنهى حضرة صاحب السمو أمير البلاد هذه الدراما البيئية عندما أغلق آخر بئر نفط في 6 / 11 / 1991 بعد جهود مضنية مع الآبار والمراحل التقنية المتلاحقة لإطفائها وهذه سنة الكون البعض يشعل ناراً يصعب إطفاءها  لاتبقي ولا تدز  كما قام به صدام.


والبعض يضع النهاية السعيدة لإطفاء الآبار مجهوداً جباراًً يقف له العالم تحية وتقدير ما فعلت دولة الكويت ممثلة في سمو أميرها المفدى جابر الأحمد حفظه الله ولكن الله يمهل ولا يهمل وللظالم يوم.


حفظ الله الكويت واهلها من كل مكروه.


 


 


المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 63