البيت الكويتي القديم

البيت الكويتي القديم

التأثر بالبيئة الطبيعية في بناء البيت الكويتي القديم

خلود  المرزوق

يتميز البيت الكويتي القديم بالبساطة فتصميمه ينطق بكل صراحة عن أصالة هذا المجتمع وتقيده بالعادات والتقاليد الإسلامية وتأثره بالبيئة المحيطة حيث نجد تناسب التصاميم ومواد البناء المستخدمة في البناء مع ظروف الكويت المناخية كانت حياة الأجداد بسيطة قوامها تدليل الصعاب وتسخير المواد الأولية المتاحة من أجل بناء ما يكفل للإنسان الكويتي معيشة كريمة فقد كان بناء البيت الكويتي في الماضي بسيطا من حيث التشييد وتم باستخدام مواد البناء المتوفرة في البيئة الطبيعية سواء كانت بيئة الصحراء من منطقة رأس عشريج غرب المدينة لبناء الحوائط أو الطين من المزارع لتصنيع الطابوق ويحرقون المخلفات المنزلية في حفر لتحويل الرمال إلي حص واستعماله في مسح الحوائط والجدران ويجلبون الطين الأبيض من منطقة المقوع لدهان الغرف وغيرها ولافتقار بيئتهم الصحراوية إلي وجود الأشجار نجدهم يستوردون الخشب لصناعة الشبابيك والأبواب والجندول لعمل الأسقف وعلي الرغم من بساطة البناء إلا أنها تتسم بالدقة في المقاسات بعمل عليها أمهر البنائين من أبناء الكويت وفيما يلي وصف لمواد البناء ومراحل البناء للبيت الكويتي القديم.

المواد الأولية المستخدمة في البناء في الكويت القديمة

لكويت عبارة عن أرض صحراوية تتاخم البحر وتغطيها الرمال الدقيقة وهناك أنواع مختلفة من الأحجار (البحر الرملي الجيري الخشن أو الحجر ألأوليتي) وهي في الواقع لا تكون مواد بناء جيدة إذ سرعان ما تتأثر بعوامل التعرية الجوية أما السهول فيكثر في بعضها الحصى (من أصل بركاني) وهو أحد المكونات الممتازة للأساسات والركام كما أن المواد الطينية تتكون من غرين جيري غير لدن مما يجعلها عرضة للسيولة عند تعرضها للماء إلا أنه يوجد طين صلبي صالح للبناء ويعالج بوضع بعض المواد سيلي ذكرها لاحقا لإعطائها صلابة وباقي المواد الأولية تستورد من خارج الكويت كالتالي:

المواد الأولية المستخدمة في بناء الحوائط والجدران

1-  الصخر ويحضر من البحر خاصة من منطقة عشريج.

2- لين الطين: وهو عبارة عن طابوق يتم تصنيعه من الطين الصلبى – الطين العادي – البو (وهو عبارة عن قش) بالإضافة إلي الماء وهناك أشخاص متخصصون في صناعة اللبن يطلق علي العامل منهم اسم (الملبن) وتتم عملية التصنيع في مكان خاص وبياع علي المشتري حسب الحاجة إلي أن بعض الأهالي يطلبون الملين بأن يصنع اللبن عندهم في البيت ارخص سعرا من أن يشتري اللبن جاهزا والسبب في ذلك أن الماء والطين موجودان عند مالك البيت فلذلك لصانع اللبن أجرة يده فقط وتمر عملية التصنيع بالمراحل التالية:

‌أ)  يتم إحضار الطين الصلبي الصالح لبناء اللبن وذلك بنقله بواسطة الدواب من المطينة ويكوم في مكان تصنيع اللبن وهناك أشخاص متخصصون في نقل الطين بالوجز والسعر نصف روبية.

ب)  يتم تجهيز الغيله وذلك بخلط الطين والماء ودوسه بالأقدام عدة مرات حتى تختلط تماما ويترك ليتخمر يومين أو ثلاث أيام.

ج)  في بعض الأحيان يضيفون التين إلي الطين أثناء عمل الغيلة لكي تتماسك اللبنة وتصبح أقوي ويتم استيراد التين من إيران (عبادان) وقد يخلط الطين (البو) وهو عبارة عن قش يعمل أيضا علي تماسك اللبن.

د)  يتم وضع الطين في قوالب مصنوعة من الخشب علي شكل مستطيل وربما كل ثلاثة قوالب مع بعضها البعض وتسمي (ملابن) ويترك الطين ليجف تحت أشعة الشمس وبذلك يكون جاهزا للبناء.

 

المواد الأولية المستخدمة في مسح الحوائط والجدران

قبل أن يعرف الناس في الكويت الأسمنت كانوا يصنعون الجص في مكان يمي المجصة خلف سور الكويت من جهة المرقاب وهو عبارة عن تراب عادي يحرق ويستخدم في مسح الجدران وحوائط الغرف وتمر عملية تصنيع الجص بالمراحل التالية:

-  تحفر حفرة كبيرة بعمق متر فيصنع فيها مخلفات البيوت (الزبالة) وتسمي قديما (الخمام).

-  يرص العرفج وبعض الأخشاب الصغيرة وتشعل فيها النار وتترك مشتعلة لمدة ويومين أو ثلاثة حتى تخمد وتصبح رمادا.

-  يقوم الجصاص وهو العامل في تصنيع الجص بإزالة الرماد حتى تظهر الأرض المحروقة ويبدأ بضرب الأرض.

-  يتم نقل التراب المحروق (الجص) من الحفر وتجميعه لبيعه لمن يحتاج لبناء منزله والبيع يتم بالكاره ومن الجدير بالذكر أن بلدية الكويت خصصت كيله مصنوعة من الحديد والكاره عشرين جيله (كيله) وصاحب البيت يحدد عدد الكارات المطلوب شراؤها فيبدأ صاحب الجص بملء الكيلة بالجص عشرين مرة ويكون معه حبل يعقده بعد كل كاره حتى لا يغلط في حساب عدد الكارات المطلوبة.

-  يتم نقل الجص بالوجر علي ظهر الدواب وقد بلغ أقصي سعر للكاره تقريبا 5 روبيات أو أكثر.

 

المواد الأولية المستخدمة في دهان (صبغ) الحوائط والجدران

قبل أن يعرف الناس الصبغ والألوان التي تدهن بع الغرف في الكويت اكتشفوا نوعا من الطين الأبيض في منطقة المقوع فتسارعوا عليه ينقلونه ثم ينقعونه في الماء حتى يذوب ثم يدهنون بع الغرف فيصبح بيضاء لامعه وفي البدايات كان ميسورو الحال من الأهالي من يدهنون غرفهم أو غرف الديوانيات الخاصة بهم.

المواد الأولية المستخدمة في بناء أسقف الغرف

كانت أسقف الغرف في الماضي تبني علي أيدي بخاريين مهرة متخصصين في بناء الأسقف من الأخشاب التي يتم استيرادها من الخارج لعدم توفرها في الكويت ولما المواد الأولية المستخدمة في بناء أسقف الغرف فهي كالتالي:

1- قوائم الجندل: الجندل عبارة عن سيقان خشبية سوداء اللون لأشجار تنبت علي سواحل الأنهار في بعض الدول الأفريقية مثل كينيا وتنزا ليا ويسمي الجدل في اللغة الأفريقية (سمبرانغا) وتتراوح أطوال قوائم الجندل من 3-5 وهذا يحدد عرض الغرف ويطلق علي الجندل الجيد منها أسم (جندل أبو طير) وذلك لمساكنه وصلابته حيث يستخدم الطبر في تقطيعه والطبر هو عبارة عن فأس أما النوع الآخر يسمي (جندل أبو منشار) وذك لأنه يستخدم المنشار في تقطيعه ومن الجدير بالذكر أنه تستخدم السفن الشراعية (البغلة) لنقله من السواحل الشرقية لأفريقيا أو من منطقة صور الساحلية في عمان وتجمع كل عشرين قطعة ويربطونها معاَ ويطلقون عليه اسم (كوريه) ومن السفن الشراعية المشهورة بنقل الجندل في ذلك في (أوائل القرن العشرين) بغلة بن جار الله بغلة بن عيسي بغلة بن قطامى بغلة بن رضوان.

2- البارية: (جمعها البوارى) أو المنقور وهي عبارة عن حصير كبير مصنوع من أعواد القصب يستورد من غيران يستخدمه الأهالي كسجادة للجلوس عليها في الحوش أو في الليوان.

3- الباسجيل وهو أعواد قصب (البامبو) متينة نوعا ما تجلب من أفريقيا تشق نصفين عند استعمالها في تسقيف المنازل ويسهل تبنيها فيعمل النجار علي تجهيزها بتنظيف من العروق ويبسطها إذا كان بها ثنية ويجهزها للبناء.

4- الكاري (القار الأسود) وهو دهان من مخلفات النفط الخام (أسود اللون) يستخدم لحماية الأخشاب من غزو الديدان وتأكلها فهي تمنع الرطوبة.

5- الطين الصلبي يستعمل الطين في بناء الأسقف حيث يخلط مع الماء بنفس طريقة خلط طين اللبن وتتم تلك العملية في نفس مكان بناء الأسقف مساء وتترك الغيلة طول الليل لتتخمر ليقوم أستاذ بناء الأسقف (نجار) باستخدامها للبناء في اليوم التالي:

6- الرماد: وهو ناتج مخلفات التنانير التي تستخدم للطهي أو الخبز أو ناتج حرق الفحم المستخدم في التدفئة وفائدته يمتص الرطوبة ويمنع تسرب المياه غلي الغرف من مواسم الأمطار.

وكان هناك ناس متخصصون في تجميع الرماد من البيوت يسمي الواحد منهم (راعي الرماد) وهو الذي يدور في الأحياء مع حماره مناديا (رماد رماد) فيهب الأهالي بندائه وإعطاء الرماد الناتج عن مخلفات الطهي أو التدفئة وبدون مقابل ليتخلصوا منه ويستفيد هو الآخر من بيعه علي الناس الذين يعمرون بيوتهم لاستخدامه في طعام السطح أي بنائها.

7-  المسامير يتم استيراد الصغيرة منها من الهند أو إيران وتصنيع الكبيرة منها عند الحدادة في الكويت.

 

المواد الأولية المستخدمة في تسوية أرض الغرف والحوش

الحصص: وهو نوع من الطين يميل لونه في الغالب إلي الصفرة الباهتة ويسمي الطين الأبيض ويستخرج في أثناء عمليات الحفر ويستخدم في ردم البيوت وتسويتها.

الحشري: يفرش علي الأرض لتصبح قوية وهو عبارة عن حجارة صغيرة الحجم تنقل بالوجر علي ظهر الدواب والفرش أيضا بالنقل.

مراحل البناء

مراحل بناء الحوائط والأساسات

1-  علي عمق نصف متر أو أكثر بقليل لسور البناء.

2- يتم وضع الطين الذي سبق تجهيزه (الغيلة) لبناء العروق لارتفاع نصف متر وتترك لتجف لليوم التالي ولا يتم بناء طبقة ثانية فوقه بنفس اليوم وإلا تهدم.

3- يتم تحديد مواقع الغرف ومساحاتها بناء علي رغبة صاحب المنزل والقياس المتعارف عليه لأطوال الغرف هو الذراع فيتم حفر أساس الغرف حسب قوة الأرض إما نصف متر أو أكثر بقليل والعروق أقوي وأعراض من حجم اللبن وتترك لمدة يوم أو يومين لتنشيف وتصبح صلبة.

4- يتم وضع لبن الطين (الطابوق) فوق العروق (الأساس) إلي أن يتم الوصول في البناء إلي ارتفاع السقف المطلوب.

5-  يتم وضع جندلتين بعرض الباب أو الشباك حسب ما هو متفق عليه مع صاحب المنزل أما جندل أو طبر أو جندل أبو منشار ومن ثم يصف اللبن فوقها.

مراحل بناء الأسقف

هناك عدة طبقات لبناء الأسقف يشرف علي البناء نجارون يرأسهم الإستاد ومن الجدير بالذكر أن طول الجندر يحدد عرض الغرف حيث لا يزيد عرضها عن 4 أو 2 /41 متر حسب المتوفر من أطوال الجندل وتتم مراحل البناء كالتالي:

1- يتم صف قوائم الجندل بحيث يستند طرفاها علي جوانب حوائط الغرفة ويبدأ بصف الجندل م بداية الغرفة إلي نهايتها مع ترك مسافة شبر بين كل جندلة وأخرى.

2- مرحلة وضع الباسجيل وهو أعواد من القصب الرفيعة والطويلة والتي عمل النجار علي تنظيفها ودهانها بالطارئ فيتم صفها بطريقة مائلة تعمل زاوية 45 درجة مع الجندل ويبدأ بوضعها في أحد زوايا الغرفة وتثبت بالمسامير ويستمر في وضع أعواد الباسحيل جنبا إلي جنب بشكل مائل إلي أن يتم تغطية السقف تماما وفي منتصف المرحلة يدعم الباسجيل بوضع عدد 3 أو 4 باسجيلات بالعرض وبنفس اتجاه الجندل ويقوم بهذه العملية النجار مع الإستاد.

3- توضع طبقة أخرى من الباسجيل وبنفس الطريقة إلا أنه يبدأ العمل بتركيب قوائم الباسجيل من الزاوية المقابلة للزاوية الأولي وبعكس اتجاه الطبقة الأولي وتسمي تلك العملية (مخولف) ويتم بتثبيت القوائم بالمسامير الصغيرة حتى نهاية السطح.

4-  يفرش البارية علي مساحة السقف فوق طبقة الباسجيل ثم تفرش طبقة أخرى منه بالعكس.

5- يوضع طرف المرزام المصنوع من الخشب أو من ألواح الألمنيوم (جينكو) بين طبقتين البارية ولكل غرفة مرزامين ويكون طرفها للشارع حتى إذا نزل المطر ينزل الماء في الشارع ولا ينزل في حوش البيت.

6- توضع طبقتان من الطين فوق طبقة البارية يفصل بينهما طبقة من الرماد لمنع تسرب مياه الأمطار غلي الغرف ويراعي عمل ميل تجاه المرزام عن وضع طبقات الطين.

7- وأخيرا يوضع الوشام حول السطح وهو طبقتان أو أكثر من اللبن بارتفاع يزيد عن عشرين سنتيمترا وهو ما يسمي بلحية البيت.

 

مراحل مساح الحوائط بالجص

يعمل في مساح الحوائط بالجص فريق من العمال مكون من ثلاثة أشخاص لكل منهم مهمة خاصة به يكمل بعضهم البعض كالتالي:

الطباخ: وهو الشخص الذي خلطة الماء والجص في السطل (التب) بمقادير معينة.

الخياص: وهو ما يخلط الجص والماء ويكون متعلما ومتميزا علي الخبص وهي مهنة لا يستطيع أي إنسان أن يتقنها فهي تحتاج إلي مهارة.

والمساح: وهو من يمسح سطح الغرف بالجبس وتحتاج إلي مهارة ودقة في العمل ولكلما نادي المعلم (المساح) طبخة استعد الطباخ وجهز للخباص وهو بدوره يسلم الجص للمعلم المساح.

والجص أما ناعم منخول أو خشن طبيعي من الجصة وفي حالة نخل الجص أكثر من مرة يحصل علي جص ناعم ولا يستخدمه إلا التجار لارتفاع سعره ويسمي المساح باسم (مساح عجمان) نسبة للعجم والبعض يخلط الجص الأبيض بمادة البورق فيصبح اللون أزرق فاتحا ثم تطور العمل فأصبح يمسح بمادة النورة ومع تطور الزمن انتهي العمل بالجص لظهور الأسمنت.

ومن الجدير بالذكر فإن الجص مادة حادة إذا لم تستخدم في نفس وقت إعدادها فإن المادة تموت وتنشف ولا تصلح للمساح مثل مادة الجبس الأبيض حاليا.

كما أنه يجري مساح حوائط الغرف عند حدوث تشققات نتيجة لحرارة الصيف وتمدد البناء وتزداد هذه التشققات سواء عند نقطة اتصال الحوائط بالسقف خاصة بعد موسم الأمطار ويطلق علي عملية تصليح تلك التشققات وتبييض الحوائط باسم (عملية الشخان).

ومن الجدير بالذكر أن مدة البناء في فترة الصيف قصيرة وتطول في الشتاء لنزول الأمطار كما أن أسعار البناء تختلف من فصل إلي أخر ومن الطريف أنه يشاهد الزرع ينبت في الأسطح لأن الطين الذي تم استخدامه في البناء تم إحضاره من المزارع فيكون به بذور لبعض النباتات.

وعندما يتم الاتفاق بين الإستاد (رئيس البنائين) وصاحب المنزل علي البناء يتم تحديد طريقة الدفع إما أن تكون بالقطوعة وهي الدفع شامل فبذلك يتكفل الإستاد بتوفير الطعام للعمال مثل اللبن والخبز والتمر أو الرهش والحلوى لوجبة الفطور ويوفر لهم وجبة الغداء بتكليف من يقوم بطهي الطعام فالغداء والريوق علي صاحب البيت وكل يوم يعطي صاحب البيت الإستاد أجرته المتفق عليها وهو يوزعها علي العمال وقد بلغت يومية الإستاد قبل ظهور النفط في الكويت ثلاثين روبية تقريبا.

ويتميز العمال بالقوة ولديهم الاستعداد للعمل صيفا وشتاء والإستاد هو من يختار العمال ليعملوا معه في البناء وهم مقاولون محليون توارثوا هذه المهنة أبا عن جد وأتقنوها.

وهكذا كانت المنازل قدما تتسم بالبساطة في بنائها إلا أنها تقوم علي أسس علمية عمل بها الأجداد بالفطرة دون دراسة وخبرة توارثوها وطوروها مع الأيام حتى دخل الأسمنت الكويت في عام 1330هـ حيث أدخلته الإرسالية الأمريكية.

والكاشى لم يكمن معروفا قبل إنشاء أول معمل له في الكويت عام 1935.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 47