التنوع الحيوي

التنوع الحيوي

التنوع الحيوي .. مسئوليتنا تجاه الأجيال القادمة

ابتسام العبيد

في مكتب العالم إدواردو ويلسون بمتحف هارفارد ويلسون بمتحف هارفارد لعلم الحيوان المقارن يكون لصغار الكائنات الحية شأن علمي عظيم، فجدران المكتب تزينها صور الكائنات المهددة بالانقراض.

هذا العالم المفتون بفكرة التنوع الحيوي والذي سريعاً ما يهتم بدراسة كل كائن حي يلقاه سبق أن نال جائزة بوليتزر عن كتابه النمل، لكن اهتمام ويلسون بأمر التنوع لا يقتصر على الكائنات الحية الصغيرة وحدها، ويمتد نشاطه إلى حقول معرفية أخرى كالفلسفة وعلم الاجتماع، وهو على قناعة عميقة بفكرة أن البشرية مدينة للأرض والبيئة وأنه على العلماء أن ينشطوا كبيئيين ويدافعوا عن البيئة والحفاظ على تنوعها.

ويترأس ويلسون بصفته المزدوجة كعالم وناشط بيئي العديد من مجالس المنظمات العالمية الناشطة في مجال الحفاظ على البيئة، وفي كتابه الأخير المعنون مستقبل الحياة لا يكتفي ويلسون بإعطاء صورة حية عن كثرة التنوع الحيوي معدلات انقراض الأحياء فحسب، إنما يتخطى مجرد عرض المشكلة إلى توجيه نداء قوي يدعو إلى العمل من أجل الحفاظ على التنوع الحيوي.

ولما كان هذا العالم يطلق على نفسه لقب المتفائل الحذر فقد أشار إلى عدة مؤشرات إيجابية فيما يتعلق بالحفاظ على التنوع الحيوي قارناً ذلك بالتشديد على أنه إذا ما تضافرت الجهود الهادفة بالإنفاق المالي المتوسط فإنه سيكون بالإمكان إنقاذ الكثير من الحيوانات الآيلة للانقراض.

وبسبب طغيان قضايا التدفئة الشاملة وتآكل طبقة الأوزون على التغطية الصحفية المتخصصة لقضايا البيئة تتراجع مسألة التنوع الحيوي أحياناً، غير أنها قضية حيوية لا ينبغي لها أن تتراجع تحت كل الأحوال، كما يقول ويلسون الذي يفند أهمية إعطائها الأولوية، وأول الأسباب التي يثيرها ويلسون هي أن انقراض الكائن الحي ليس كمثل التدهور البيئي الفزيولوجي لا يمكن تعويضه ولا عكس مساره، والسبب الرئيسي اقتصادي، حيث أوضح ويلسون أن مجموعة من الاقتصاديين وعلماء البيئة قدرت في عام 1979 الخدمات التي تقدمها الطبيعة أو البيئة للإنسان بحوالي 33 ألف مليار في العالم الواحد، تشمل هذه الخدمات الهواء النقي والماء النقي والأراضي الصالحة للزراعة، وربما الأهم من ذلك كله كما يقول ويلسون أن في الحفاظ على التنوع الحيوي والنظم البيئية جانباً والتزاماً أخلاقيا كبيراً فيما يتعلق بمديونيتنا للأرض ومسئوليتنا تجاه الأجيال القادمة وبقداسة الخلق نفسه.

لذا لم يكن غريباً أن يبدأ ويلسون كتابه مستقبل الحياة برسالة مفتوحة لهنري ديفيد ثوريو يدعو فيها البشرية لاستشعار مسئوليتها والتزامها بمديونيتها للأرض وأن تعمل وفقاً لهذا الشعور على تغيير نزعتها التدميرية حيال البيئة. وفيما يلي يلقي هذا العالم المزيد من الضوء على أفكاره.

قبل نحو مائة وخمسين عاماً لم يكن الناس على وعي بانقراض الكائنات الحية ولا يلقون بالا لانقراضها، ولم ترتفع سوى القليل جداً من الأصوات حين تعمد بعض هواة جمع بيض الطيور قتل آخر زوج تبقى من طائر الأوك الذي يعيش في المناطق الشمالية، وكذلك لم تذرف إلا القليل من الدمعات حين انقرض آخر حمام زاجل كان يعيش على كوكبنا، وها نحن هنا في أميركا تكاد نقضي على ثيران البيزون وهي أضخم حيوان ثديي يعيش في الجزء الشمالي من قارتنا، دون أن نكترث لذلك كثيراً، لكننا جئنا أخيراً في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لتعير اهتمامنا لعدد قليل ومحدود من الأنواع الإحيائية. وأصح جزءاً من ثقافتنا العامة أن نعني بالنسر الأميركي وثيران البيزون وغيرها لكي يمتد هذا الاهتمام تدريجياً ويشمل كائنات أخرى وتنتشر ثقافة الحفاظ على البيئة في كل مكان في أمريكا، وهناك أصوات تثيرها شركات الاستثمارات لاسيما شركات النفط وهدفها التشكيك في مبدأ الحفاظ على البيئة وتنوعها الإحيائي.

يقول هؤلاء: إننا لا نصدق هذه الأرقام التي تدعونها- إشارة إلى أثر الاستثمار على الدمار البيئي- وهناك من يحتج بأن الإنسان هو الآخر جزء من البيئة فلم لا نحافظ عليه بالاستثمار من أجله؟ والإجابة على هؤلاء في غاية السهولة: فقبل ظهور الإنسان على الأرض كانت الأنواع تموت بمعدل 1 من كل مليون في العام، ولذا كان التوازن يسود عالم الكائنات الحية قبل أزمنة سحيقة، ولكننا نسرع اليوم معدل موت الكائنات الحية ونرفعه 1000 مرة في الوقت الذي نخفض فيه معدلات تكاثرها ونموها بتدميرنا لبيئاتها، والقول إن الإنسان هو الآخر ليس سوى جزء من الطبيعة وأنه بالتالي عرضه للانقراض باطل بطلان القول أن الشهب العملاقة المدمرة ليست سوى جزء من الطبيعة أيضا، ونحن لا نريد للإنسان أن يكون قوة للدمار الشامل كما هي الشهب، للعلماء في شتى مجالات تخصصاتهم مسئولية مزدوجة، فعليهم أن يمارسوا مهماتهم وواجباتهم كعلماء وأن يحتكموا إلى منهج وتقاليد البحث العلمي في كل ما يقومون به وينشر عنهم في الدوريات العلمية المتخصصة، وهذا هو دورهم الأول.

أما واجبهم الثاني فهو أن يكونوا ناشطين على الأقل في الحدود التي تسمح لهم بإضفاء شفافية على عملهم العلمي. وتسخير ما يحصلون عليه من معارف في دعم ما يثار من قضايا تتطلب الدفاع العلمي عنها، ينطبق هذا على قضايا التدفئة الشاملة التي جذبت أفضل علمائنا. وعلى الاستنساخ والكائنات العضوية المعدلة وراثياً.

لقد اتفقنا في قمة التنوع الحيوي التي عقدت في هارفارد في أكتوبر الماضي على إمكانية محاولة إكمالنا لاكتشاف كافة الأنواع الإحيائية خلال 25 عاماً، واعتقد كثير من الناس استحالة ذلك بالنظر إلى أن العلماء لم يتمكنوا وخلال 250 عاماً سوى من اكتشاف وتصنيف 1,8 مليون من الأنواع فقط، ويقدر العلماء الآن وجود حوالي 10 ملايين نوع وربما يصل العدد إلى 100 مليون، فكيف لنا أن ننجز هذه المهمة الضخمة؟ الإجابة هنا تشبه مشروع الجينوم البشري وانخفاض تكلفة الحصول على شفرة الجينات البشرية نتيجة لتواتر وسرعة التطور التكنولوجي إضافة إلى تزايد عدد العلماء المشاركين في المشروع، وإنني لعلى قناعة راسخة أن التكلفة هنا ستنخفض وبالمعدل ذاته بفضل اتساع وازدياد عدد العلماء المشاركين في المشروع.

وفيما يتعلق برصد المواقع البيئية المهددة بالمخاطر فهناك جهد الآن في تحديد المناطق الأكثر حرجاً، وتعمل مجلة ناشيونال جيوغرافيك على تغطيتها (أنجزت المجلة مسح 1,4 في المائة من سطح الأرض حتى الآن) لكن إذا ما تمكنا من المحافظة على هذا الجزء المسموح حتى الآن فإننا في الواقع سنكون قد وفقنا في إنقاذ أقلية ضخمة من الأنواع المهددة بالانقراض، ولا أعتقد أن تكلفة هذا العمل ستفوق الـ 28 مليار دولار أمريكي وفقاً لتقديرات مؤتمر تحديات غايات الطبيعة الذي عقد قبل عام ونصف.

والواقع أنه ما أن يرى الناس هذه الكائنات، حتى يقعوا في حبها والصغار يحبونها أكثر، وهذه أكبر ميزة تتوفر لنا في مجال التنوع الحيوي والحفاظ عليه، وهي ميزة حب الشباب والأطفال للتنوع الحيوي، ويشمل هذا الحب أنواعاً هائلة من الكائنات تشد انتباههم وتجذبهم، وأملي أنه كلما زادت معرفة الناس بهذه الكائنات زاد إدراكهم ووعيهم بأهمية الحفاظ عليها، وليس الناس مطالبين بمعرفة علمية متخصصة وإنما كثقافة عامة عن الكائنات ومناطق الحظر البيئي الساخنة التي تهدد بانقراضها وأنها بإمكاننا إنقاذ حياتها وبتكلفة أقل مما يكلفه حفر نفق بوسطون، ومن هذا الباب اعتقد أنهم سيشاركون في هذا النشاط.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 44