التلوث الضوئي

التلوث الضوئي

قراءات في التلوث الضوئي وأبعاده الضارة

الضوء .. أمان له ثمن باهظ جدا

أمل جاسم

الضوء.. أمان له ثمن باهظ جداً

في السماء فوق المدن نجد غطاء برتقاليا معلقا في جميع أنحاء العالم، تسببت في وجوده مصابيح الشوارع التي تصب أضواؤها في السماء، فتتناثر عن طريق الملوثات التي يحملها الهواء. ففي بريطانيا وحدها هناك على الأقل 7.5 ملايين مصباح من مصابيح الشوارع، يضاف لها مئة ألف كل عام. ولا تختلف باقي الدول عن بريطانيا في هذا التوجه وهو إبعاد الليل، فأضواء الليل تقلل الحوادث، وتحد من الجرائم، وتبعد مخاوف الناس من الظلام. لكن من جهة أخرى هذا الأمان له ثمن باهظ جدا وهو زيادة مشكلة التلوث الضوئي وما يترتب عليها من آثار سلبية على الإنسان والكائنات الحية.

ويقصد بالتلوث الضوئي الانزعاج المترتب عن الإضاءة غير الطبيعية ليلا وآثار الإنارة الإصطناعية الليلية على الإنسان والكائنات الحية الأخرى والأنظمة البيئية. ويصف العلماء التلوث الضوئي بأنه يصل ضرره لأكثر وأبعد من التلوث البيئي والسمعي. يعرف العالم الألماني «بيت شتراسر» التلوث الضوئي علميا بأنه نوع مخرب من الهندسة الضوئية التي تكمل الهندسة المعمارية من حيث الشكل والمضمون.

ومنذ أن أضاء توماس أديسون شوارع نيويورك عام 1883م، والضوء الكهربائي الذي تتوهج به المدن ليلا يعد رمزا للمدينة المعاصرة.

التلوث الضوئي والإنسان

صخب ضوضائي سلبيأكد العالم الألماني «بيت شتراسر» أن التلوث الضوئي يؤثر بنسبة 36% على عيون حديثي الولادة، إذا ما وجدوا في مكان تكثر فيه مساحة وقوة الإضاءة، وهذا التأثير يكون سلبيا للغاية على اكتمال نمو قرنية العين لدى الصغار، ونسبة ضيق عدسة العين الطبيعية. حيث شبه العالم الألماني ذلك بوضع قطرات الأتروبين في العين أثناء الكشف على صحة البصر والتي من شأنها فتح عدسة العين لأقصى درجة، ثم يتحكم الطبيب بعد الكشف بإعادة إغلاقها. واتساع عدسة العين له مخاطره على قوة الإبصار، وهذا بالضبط ما يحدث للصغار والكبار أيضا ولكن بنسبة أقل لتعرضهم للأضواء الصناعية والتلوث الضوئي.

كما أكد «شتراسر» أن الأضواء الساطعة تنبعث منها مواد مشعة نسبيا تؤثر على المرأة الحامل سلبا، إضافة إلى تأثيرها على وظائف أعضاء الجسم، حيث تزداد ضربات القلب والنبض، ويحدث لهاث في التنفس، وصداع ينتهي بعدم التركيز الطبيعي للإنسان.

تعطى جرعات طبية من مادة Melatonin للذين يعانون من أمراض سرطانية مثل اللوكيميا حيث يمنع تكون الخلايا السرطانية، لكن هذه المادة تفرز طبيعيا من الجسم لذا يجب الحفاظ على معدل إفرازها بعدم السهر والتعرض للإضاءة ليلا.

يسبب التلوث الضوئي أيضا اضطرابات في النوم، لأنه عندما يحين الليل تفرز غدة Pineal في الدماغ مادة تدعى Melatonin حيث تنتشر هذه المادة في الدم وتعطي الإنسان الإحساس بالنعاس. لكن في المدن الكبرى والمزدحمة بالسكان والأعمال يتطلب السهر طوال الليل مما يعني أن الضوء سيستمر مشتعل طوال الليل والذي يؤثر على إفراز مادة الـMelatonin. كما وجد أن الذين تكون غرف نومهم عرضة لإضاءة الشارع وينامون تحت تأثير هذه الإضاءة ليلا، معرضون للإصابة بأمراض سرطانية مثل سرطان الثدي والذي يحفز وجوده هو عدم إفراز مادة Melatonin بإنتظام، أما الذين يتمتعون بظلام الليل ستفرز عندهم هذه المادة والتي بدورها تتلف وجود الخلايا السرطانية. كما يتسبب التلوث الضوئي بالعديد من المشاكل الصحية مثل زيادة نوبات الصداع والشعور بالإرهاق والتعرض لدرجات مختلفة من التوتر وزيادة الإحساس بالقلق وإرتفاع ضغط الدم.

التلوث الضوئي والكائنات الحية الأخرى

تجد الطيور المهاجرة مشكلة في الإضاءة بالليل، حيث أن بعضها يهاجر ليلا، فهي تعتمد في هجرتها على تحديدات في ذاكرتها أو فطرتها، فهي تتبع أحيانا المجرات كي تدلها على الطريق، لكن الإضاءة الصادرة من المدن الكبيرة التي قد تمر بها أثناء هجرتها قد يضع عندها بعض التداخلات، فقد تنجذب لها وتحصل الكارثة. في عام 1945 اصطدم خمسون ألف طائر مهاجر في قاعدة وارنر روبنز الجوية في جورجيا قد لحقوا بالشعاع الناتج منها. وفي كندا، فشلت الطيور المهاجرة في تحديد اتجاهها، لأن أضواء المدن منعتها من رؤية النجوم التي تهتدي بها أثناء رحلة الهجرة.

وتقول إحصاءات جمعية شيكاغو للطيور أن نحو 100 مليون إلى 1 مليار من الطيور يموت سنويا بسبب الاصطدام بالبنايات الشامخة. في بريطانيا، طلبت سلطات حماية البيئة من إحدى محطات الطاقة النووية أن تخفض أضواءها، لأن الطيور المهاجرة توقفت عن بناء أعشاشها في منطقة تمتد أربعة أميال حول تلك المحطة.

وطيور البطريق لها مع الأضواء قصص مأساوية، فذكر البطريق يضع صغيرة بعد أن تلده الأم تحت تجويف طبيعي في بطنه من الخارج وفوق قدميه، وإذا تعرض الصغير لتلوث ضوئي فانه ينفق سريعا، لأنه يحيا في نسبة ظلام طبيعية تفرضها المناطق الثلجية القطبية، التي بدأ الإنسان الوصول إليها وتخريب قوانين الطبيعة فيها.

طائر أبو الحناء الشهير في بريطانيا يمكن سماعه الآن وهو يغرد في الليل، لأنه فقد التمييز بين أضواء المصابيح وبين ضوء الفجر.

والعديد من أنواع الأسماك والكائنات البحرية تفقد حياتها وحياة صغارها بسبب التلوث الضوئي، سواء الموجودة قرب شواطيء المحيطات والبحار المفتوحة، أو تلك الأضواء الموجودة تحت سطح الماء في القاع لدواعي التنقيب عن ثروات طبيعية أو انتشال حطام سفينة وغيرها. هناك أنواع من الكائنات البحرية مثل السبيط وثعبان البحر وأنواع من السلاحف البرمائية والحوت الأزرق، جميعها وبطريقة فطرية تأخذ في الدوران بسرعة عالية حول البقع الضوئية في قاع البحار، حتى يحدث لها نوع من الدوار الحاد يتسبب فورا في نفوقها. كما أن السلاحف البحرية الضخمة الرأس هجرت أعشاشها التي تفرخ فيها على شواطيء ولاية فلوريدا الأمريكية بسبب التلوث الضوئي. الدببة القطبية أصبحت في حالة من الهياج بسبب مصادر الضوء الصناعي دفعتها إلى مهاجمة تلك المصادر، وقد دمرت فعلا أعمدة كهربائية في أحد شواطيء ألاسكا.

التلوث الضوئي والمراصد الفلكية

للصقور تأثيرات على الرصد الفلكيأجبر التلوث الضوئي الفلكيين على مغادرة المدن. ففي عام 1910 اشتكى الفلكيون من أن رؤيتهم لمذنب هالي صارت محدودة بسبب الضوء الكهربائي. وفي خمسينيات القرن الماضي نقل مرصد غرينتش الملكي تلسكوباته إلى سوسيكس، لكن الأضواء لاحقتها إلى هناك فجرى نقلها مجددا في الثمانينيات إلى جزر كناري. قرب لوس أنجلوس عام 1985م هجر مرصد ويلسون تلسكوباته البصرية، لأن أضواء السماء أصبحت مضاعفة خمس مرات عن الوضع الطبيعي، وأعيد افتتاح المرصد عام 1993م حيث اكتفى برصد الشمس والكواكب القريبة، فقد جعل التلوث الضوئي رصد الأجرام السماوية أمر صعب جدا.

ويقول مدير مرصد جامعة لندن « ديريك ماكنالي»: إن مشكلة التلوث الضوئي تقلق رجال الفلك، وهم لا يعرفون كيف يمكن التكيف معها. وقد استعمل المرصد بعض الحلول مثل مرشحات الضوء ليستبعد بها كثيرا من الأضواء الغير مطلوبة، كما استخدم أجهزة حساسة لتصوير أضعف الأضواء المنبعثة من السماء.

في كاليفورنيا، مرصد بالومار، شعر الفلكيون بالقلق لأن تلسكوب المرصد الضخم ( قطره 200 بوصة ) والذي يعد من أكبر تلسكوبات الولايات المتحدة الأمريكية مهدد بزحف أضواء السماء. وقد استجابت سلطات مدينة سان دييغو على مسافة 50 منه لنداء الفلكيين وحولت أضواء الشوارع في المدينة إلى مصابيح من الصوديوم المنخفضة الضغط، فالضوء الأصفر المنبعث من هذه المصابيح يستغرق موجتين فقط من الطيف المغناطيسي الكهربائي، وذلك يسهل على الفلكيين عملية ترشيح الضوء. ورغم أن هذا الحل أسعد الفلكيين إلا أن كثير من سكان مدينة سان دييغو اشتكى من أن الضوء الأصفر مخيف، ورجال الأعمال أزعجهم أن إعلاناتهم أصبحت غير واضحة. ومن ناحية أخرى اشتكى رجال الشرطة من أنهم يجدون صعوبة في تمييز ألوان المشتبه بهم، لذلك أعاد مجلس المدينة الأضواء البيضاء إلى المناطق التي يرتفع فيها معدل الجريمة.

ويقول الفلكي البريطاني باتريك مور: "إننا ندرك تماما أنه من المستحيل أن نتخلى عن المصابيح الموجودة، لكن الذي نريده هو أن نتأكد أن أضواءها تتجه إلى الأسفل وليس إلى الأعلى، فهذا يساعدنا من ناحية، ويوفر ملايين الجنيهات من ناحية أخرى ".

محمية النجوم

أنشأ مرصد فضائي كندي محمية تمتد على 5500كلم مربع لمحاربة التلوث الضوئي والاستمرار في دراسة النجوم، وقد تأسس المرصد سنة 1978م في مون ميغانتيك التي تبعد 250 كلم عن مونتريال، وتقع عند حدود الولايتين الأمريكيتين نيو هامبشير وماين. أفاد ملانفان ( المسئول التقني في المرصد ) أنه كان يحتاج في البداية لمصباح يدوي ليتنقل مساءا حول القبة التي تقع على إرتفاع 1111 مترا وتطل على جبال الابالاشيا جنوبا. إلا أن السماء بدأت تفقد شيئا من ظلمتها بسبب غشاء برتقالي اللون كان يتمدد أكثر فأكثر مع السنوات. في عام 2003م قرر علماء الفلك والسلطات المحلية خفض الانبعاثات الضوئية المحيطة بنسبة 25% في غضون خمس سنوات. واستبدلت الأضواء الخارجية في شعاع 25 كلم في مون ميغانتيك بأخرى تصدر أشعة دون الحمراء بكمية أقل، مثل تلك المصنوعة من الصوديوم والفلور المضغوط، ومنع استخدام المصابيح التي تستخدم الزئبق والتي تبعث إشعاعات برتقالية اللون. كما تم تبديل المصابيح والأضواء الكاشفة كلها أو تعديلها حتى لا تضيء السماء.

كشفت أبحاث وضعها ثلاثة من العلماء هم : بيارانتو سانزانو و فابيو فالسيني من جامعة بادوا في إيطاليا وكريستوفر بولدر من جامعة كولورادو أن إضاءة مصباح كهربائي واحد يؤثر في النظر لمسافة 200 كلم، ويتوقع سانزانو أنه إذا استمرت زيادة الأضواء على نفي الوتيرة فإن مجرة درب التبانة لن ترى من إيطاليا بحلول عام 2025م.

كما تغيرت قوانين الإنارة في شعاع يتراوح بين 25 و 50كلم حفاظا على محمية النجوم. وغيرت وزارة النقل في مقاطعة كيبيك الإنارة واعتمدت العاصمة المحلية شربروك أنظمة مماثلة على الرغم من أنها تبعد 80 كلم غربا.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 132